Speaker A
[تصفيق] [تصفيق] بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وإمام المتقين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد، لقد انتهينا في الحلقة الماضية إلى قوله تعالى في أم الكتاب رب العالمين، وذكرنا في حينها أن من معاني الرب هو السيد والمنعم والمربي والمالك والقيم وما إلى ذلك. وقلنا في حينها إن المالك والسيد والمربي والمنعم هو أولى بالحمد من غيره، ولذلك جاء بعد قوله تعالى الحمد لله بوصفه سبحانه رب العالمين. العالمين جمع عالم، والعالم هو كل موجود سوى الله تعالى. كل موجود سوى الله تعالى هو العالم، والعالم يجمع على العوالم وعلى العالمين، لكن في اختيار العالمين على العوالم أمر بلاغي بياني. ذلك أن العالمين على ما قال بعضهم إنه خاص بالمكلفين أو خاص بأولي العقل. كلمة العالمين عند بعض أهل اللغة لا تشمل غير العقلاء أو غير أولي العلم، بدليل قوله تعالى ليكون للعالمين نذيرا. ولا شك أنه ليس نذيرا للبهائم والجماعات وما إلى ذلك. فاستدل هؤلاء بآيات أخرى: أولم ننهك عن العالمين، وما الله يريد ظلما للعالمين، استدل على أن المقصود بالعالمين هم أولي العقل أو أولي العلم أو المكلفون. وقال بعضهم إن العالمين هو جمع العالم بكل أصنافه، لكنه يغلب العقلاء، فقال العالمين يغلب العقلاء على غيرهم، فيقال لهم العالمين، لا يقال لعالم الحشرات وحده أو لعالم البهائم وحده عالمين. لا يقال العالمين إلا إذا اجتمع العقلاء مع غيرهم وغلب العقلاء، فيقال العالمين إذا العالمين إما أن تكون مختصة بالعقلاء بدليل قوله تعالى ليكون للعالمين نذيرا، وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين، وإما أن يكون غلب العقلاء على غيرهم. فقال العالمين إذا هو اختار العالمين على العوالم لأن العوالم قد يطلق على أصناف من الموجودات ليس فيهم البشر أو ليس فيهم المكلفون أو ليس فيهم العقلاء. عوالم يعني ممكن أن تقول للحيوانات وللحشرات وللجماعات، لكن لا تقول لها وحدها عالمين. هذا الاختيار له سببه، يعني اختيار العالمين في هذه السورة له سببه، والعالمين للعلم هي قد تشمل جيلا واحدا وقد تشمل كل المكلفين، يعني قد تشمل جيل واحد أو قسما من جيل أو تشمل عموم المكلفين. ممكن يعني لو أخذنا قوله تعالى أولا في قوم لوط عندما قالوا للوط أولم ننهك عن العالمين. ولا شك قسم من الناس هم قسم، حتى قسم من الرجال أطلق عليهم عالمين، وقد تكون عامة كقوله تعالى وما الله يريد ظلما للعالمين. اختيار العالمين قلنا له سبب من ذلك أن السورة هي في المكلفين، يعني عندما قال إياك نعبد وإياك نستعين، العبادة والاستعانة هي خاصة بأولي العقل وأولي العلم. بعدين طلب الهداية: اهدنا الصراط المستقيم، وبعدين تقسيم الخلق المكلفين إلى أنعمت عليهم وغير مغضوب عليهم وضال، يعني تقسيم الخلق إلى من أنعم عليهم وإلى المغضوب عليهم وإلى الضالين، هذا كله خاص بأولي العلم وأولي العقل. فلذلك كان من المناسب اختيار العالمين على غيرها من المفردات أو الكلمات. ثم أيضا يقال إن في آخر السورة يقال المغضوب عليهم هم اليهود، وإذا كان لا شك أن في هذا حديثا صحيحا، ففيه رد على اليهود لأن اليهود يقولون الله رب بني إسرائيل خاصة، فالله سبحانه وتعالى يقول رب العالمين، يعني هو ليس رب بني إسرائيل خاصة. فإذا أيضا اختيار من ناحية أخرى هذا الاختيار مناسب لما ورد في خواتم السورة، يعني هو مناسب لما ورد في عموم السورة وما اشتملت عليه، وأيضا لما ورد في خواتيمها. اختيار الرب أيضا هنا لما قال رب العالمين، اختيار كلمة هنا تناسب أيضا ما بعدها، تناسب قوله تعالى فيما بعد: اهدنا الصراط المستقيم، لأن من معاني الرب كما ذكرنا المربي، وهي من أشهر معانيها وأولى مهام المربي الهداية، يعني الهداية من أولى مهام المربي. ولذلك اقترنت الهداية كثيرا بلفظ الرب في القرآن الكريم، يعني ذكرنا في حلقة سابقة أن العبادة اقترنت بلفظ الله كثيرا، ونقول الهداية أيضا اقترنت بلفظ الرب كثيرا، لأن المهمة الأولى للمربي هي الهداية. قال تعالى: فمن ربكما يا موسى؟ قال: ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى. ثم في آية أخرى: ثم اشتباه ربه فتاب عليه وهدى. تقترن الهداية بلفظ الرب. قال تعالى: سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى. لاحظ لفظ الهداية يقترن بلفظ الرب كثيرا. قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم. قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم. وقل عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشدا. إذا لاحظ اقتران لفظ الهداية بالرب، أن معي ربي سيهديني أيضا هذا. لاحظ أيضا اقتران الهداية بالرب، والرب الهداية: إني ذاهب إلى ربي سيهديني، عسى أن يهديني سواء السبيل. ولذلك كان من المناسب جدا، بل أنسب شيء أن يأتي بلفظ الرب مع قوله اهدنا الصراط المستقيم في طلب الهداية. ثم يأتي قوله سبحانه الرحمن الرحيم. من الظاهر أن الرحمن على وزن فعلان، والرحيم على وزن فعيل. ومن المقرر في الصرف في علم اللغة أن فعلان يعني الصفة المشبهة. فعلان تفيد الحدوث والتجدد والخلو والامتلاء. هذا مقرر في علم التصريف، يعني تقول عطشان ثم ينتقل العطش، تشرب ماء فيذهب العطش. تقول ريان، بعد مدة يذهب الري. تقول جوعان، تأكل فيذهب الجوع. تقول شبعان أيضا بعد بدأ يذهب الشبع. إذا هذه الصيغة في اللغة تفيد الحدوث والتجدد والخلو والامتلاء، يعني الامتلاء بالوصف، الاتصاف بالوصف إلى الحد الأعلى. ما تقول غضبان يعني امتلا غضبا، امتلا غضبا. الله سبحانه وتعالى ذكر موسى عليه السلام في أشد حالات غضبه عندما عبدوا العجل، قال فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا، لكن الغضب ذهب. قال لما سكت عن موسى الغضب، سكت عن موسى الغضب. إذا هذه الصيغة فعلان في أصل وضعها اللغوي في صورتها اللغوية تفيد الحدوث والتجدد والامتلاء بالوصف. صيغة فعيل أيضا هي تدل على الثبوت، على الثبوت سواء كان خلقه أم يسموه التحول في الصفات، يعني مثلا في الخلقة تقول طويل، قصير، دميم، جميل، قبيح، أو التحول في الصفات، يعني إنسان يمارس صفة يظل يمارسها، يمارسها حتى تكون في صفة ثابتة أو قريبة من الثبوت، وهي ليست كصفة الأولى. يعني مثلا تقول خطيب، لا يقال لمن ألقى خطبة واحدة خطيب، وإنما لمن يمارس الخطابة. تقول فقيه لمن يتفقه كثيرا ويدرس المسائل الفقهية، فلا يسمى فقيها من علم مسألة واحدة مثلا من نواقض الوضوء أو من مبطلات الصلاة، لا يسمى فقيها. فإذا صيغة فعيل تدل على الثبوت عادة. وهذا الأمر، يعني هذا الإحساس اللغوي في أن فعلان تفيد الطروق أو الحدوث والتجدد، وأن صيغة فعيل تفيد الثبوت، هذا الإحساس اللغوي لا يزال في لغتنا الدارجة إلى الآن. يعني قد تقول لشخص بدا عليه الطول تقول له أراك طولان أو فلان طولان، يعني ظهر عليك الطول ما لم نكن نراه سابقا، فيرد عليك حد لا يقول لك هو طويل، هو طويل، يعني هذه صفته الثابتة. تقول ف تقول فلان ضعفان أو تقول هو فلان سمنان، تريد أنه حدث في وصفه شيء جديد لم يكن، فيرد عليه الآخر فيقول لا هو ضعيف أو هو نحيف أو هو سمين، يعني يريد أن يقول إن هذه الحالة ليست طارئة وإنما هذا هو وصفه الثابت. فالله سبحانه وتعالى جاء بصفتين الدالتين على التجدد والدالة على الثبوت، لماذا؟ لأنه لو جاء بصيغة فعلان وحدها، لو قال رحمن هكذا لتوهم السامع وهم عرب يعلمون لغتهم ويعرفونها، لو قال رحمن وحدها لسبق إلى أذهانهم أن هذه الصفة طارئة قد تزول كما يزول العطش من عطشان، وكما يزول الجوع من جوعان، وكما يذهب الغضب من غضبان. ولو قال رحيم، يعني صيغة فعيل وحدها، لو قال هكذا رحيم ولم يذكر معها الرحمن أيضا، لربما باحتمال كثير أن يسبق إلى أذهانهم أن صيغة رحيم نعم هي صفة ثابتة، لكن ليس بالضرورة أن هذه الصفة هي على الدوام، يعني ظاهرة. لأنك عندما تقول تقول فلان كريم، لا يعني أنه هو لا ينفك عن الكرم لحظة واحدة، لأنه تأتي ساعات قطعا هو لا يكرم فيها، يعني قد يخلو إلى نفسه قد ينام قد، لكن الصفة الغالبة عليه، أو عندما تقول خطيب، لا يعني بالضرورة أنه لا ينفك عن الخطابة، بل قطعا هو سيترك الخطاب يستريح وما إلى ذلك. إذا لو قال رحيم لقال يعني لقالوا نعم هو صفته الثابتة رحيم، لكن لا يعني هذا بالضرورة أن الرحمة لا تنفك عنه، بل قد تنفك كسائر، يعني كثير من الصفات التي قد ينفك صاحبها عنها. فجاء بصفتين لفهمنا ويدل على أن صفته الثابتة والمتجددة هي الرحمة، ويدلنا على أن رحمته لا تنقطع، لا تنقطع. هذا يسمى من باب الاحتياط للمعنى، يعني لو جاء بصفة واحدة لافهم مدلولا خاصا ومعنى خاصا، ولكنه احتاط للمعنى فجمع فجاء بالصفة الثابتة والمتجددة، يعني إذا هو صفته الثابتة والمتجددة هي الرحمة، إذا لا ينفك عن إحداهما وإنما هي هكذا مستمرة دائما، وبذلك احتاط للمعنى ودلنا على أن رحمته لا تنفك، ألبتة بل هي ثابتة مستمرة غير منقطعة. وقدم صيغة الرحمن على الرحيم التي هي الصيغة المتجددة والتي هي فيها امتلاء بالوصف، يعني امتلاء بالرحمة، يعني الرحمة إلى أبعد حدودها. هذا الرحمن أبعد حدودها، لأن الإنسان في طبيعته عجول. الله خبرنا عن الإنسان أنه عجول، خلق الإنسان من عجل، وكان الإنسان عجولا، وكثيرا ما يؤثر الإنسان الشيء الآني السريع على الشيء الذي هو يعني يأتي فيما بعد بزمن يفضله عليه، وإن كان أقل منه. فالإنسان بطبيعته يؤثر العاجل. قال تعالى: كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة. هذا طبيعة الإنسان إلى حد كبير أنه يؤثر العاجل. فجاء له بالصيغة المتجددة القريبة التي تحدث، فأراد ربنا أن يطمئن هذا الإنسان ويقول إن رحمته لا ينتظر، وإنما رحمته رحمته قريبة منه وهي متجددة حادثة إليه، وهي لا تنفك، لأن رحمته الثابتة رحمته ثابتة بصفه رحيم. فإذا جاء الرحمن الرحيم فجمع بين الصفتين الثابتة والمتجددة مع الامتلاء بالوصف، وقدم الصيغة التي هي أقرب إلى حب الإنسان وإلى طبيعته. هذا هو الرحمن الرحيم. وقوع الرحمن الرحيم بعد كلمة الرب هذه أيضا لها دلالة، يدلنا على أن هذا الرب سبحانه وتعالى الذي هو رب العالمين أبرز صفة فيه، يعني من صفا...