Speaker A
[تصفيق] [تصفيق] بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وإمام المتقين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد، فنحن وقفنا في الحلقة السابقة عند قوله تعالى: "إياك نعبد وإياك نستعين"، وأثر قسم من الأسئلة فيما يتعلق بتقديم المفعول وذكره عند كل فعل وما إلى ذلك من أسئلة. وحقيقة، هناك سؤال: السورة تبدأ بقوله تعالى: "الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين"، وهذه كلها من أسلوب الغيبة، يعني الكلام على الغائب. ثم قال: "إياك نعبد وإياك نستعين"، فانتقل من أسلوب الغيبة إلى الخطاب، يعني هو كان القياس أن يقول: "إياه نعبد وإياه نستعين". فما السبب في ذلك؟ هذا يسمى في البلاغة الالتفات. الالتفات يعني كان يكون الكلام على الغائب ثم ينتقل إلى المخاطب أو إلى المتكلم أو العكس. وهنا كان الكلام على الغائب: "الحمد لله رب العالمين"، يعني لم يقل: "الحمد لك يا رب"، وإنما كان الكلام بأسلوب الغيبة، ثم التفت إلى الخطاب فقال: "إياك نعبد وإياك نستعين". الالتفات له فائدة عامة وفائدة يدل عليها المقام، أو يعني فيها فائدة في المقام. أما الفائدة العامة فهي يقال إنها تطر لنشاط السامع وإيقاظ الذهن وتحريك الذهن للإصغاء والانتباه، لأن تغيير الكلام من حالة إلى حالة دعى إلى الانتباه والاستيقاظ واليقظة لهذا الكلام. فإذا هذه يعني يذكرونها أنها هذه الفائدة العامة من الالتفات، وهناك فائدة يقتضيها المقام، يعني المقام هو بحد ذاته إذا التفت المتكلم البليغ يهدف إلى أمر من وراء هذا الالتفات، إضافةً وإضافةً عما ذكر في فائدته العامة، وذلك كقوله تعالى: "هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم". حتى إذا كنتم في الفلك، هذا خطاب، و"جرين بهم" هذا غيبة. فالقياس كان يقول: "وجرين بكم"، لكنه قال: "وجرين بهم" على الالتفات، وذلك لأنهم عندما ركبوا وذهبوا في البحر وجرت بهم الفلك أصبحوا غائبين وليسوا مخاطبين، فقال: "وجرين بهم". هنا أيضاً الفائدة العامة هي ما يذكرها أهل البلاغة من الفائدة، أنها تطر لنشاط السامع وإيقاظ الانتباه ومدعى الإصغاء، لكن أيضاً هناك أكثر من فائدة. الحقيقة هي عندما قال: "رب العالمين الحمد لله رب العالمين"، هذا علم أنه حاضر لا يغيب عنهم ولا يغيبون عنه لأنه رب العالمين جميعاً، إذا هو حاضر فنودي بنداء الحاضر المخاطب. هذا من ناحية أخرى. الكلام من أول الفاتحة إلى هنا، يعني قبل أن نقول: "إياك نعبد وإياك نستعين"، هذا ثناء، ثنا على الله، والثناء في الغيبة أو لا؟ يعني عندما تثني على شخص إذا كان غائباً هذا الثناء أصدق وأولى. ومن هنا دعاء، يعني وطلب: "إياك نعبد وإياك نستعين"، طلب هذا دعاء، والدعاء في الحضور أو لا؟ يعني أنت تدعو وتطلب من الحاضر أفضل مما تطلب من الغائب، أولى ذلك. فإذا الثناء في الغيبة أولى، والدعاء في الحضور أو لا؟ ثم العبادة، لا يعني المفروض أن العبادة لا تؤدى للغائب، تؤدى للحاضر، ولذلك قال: "إياك نعبد وإياك نستعين". إذا هنا جانبان: عبادة واستعانة، وكلاهما في الحضور أولاً، بينما كان الكلام في ما قبله ثناء، والثناء في الغيبة أولى، فجعل كل تعبير بمكانه المناسب. ثم قال: "اهدنا الصراط المستقيم". "اهدنا الصراط المستقيم"، هذا دعاء، ولا أعلم دعاء مفروض على المسلم أن يقوله غير هذا الدعاء، يعني أنا لا يحضرني دعاء يجب على المسلم أن يقوله، لا يمكن إلا أن يقوله، وإلا أن يدعو به، وذلك مرات في اليوم. لا أعلم دعاء مفروض على المسلم غير هذا الدعاء، يعني حتى في الصلاة عندما نقول: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار"، هذا من السنن، لكن هذا الدعاء مفروض، وذلك يدل على أهمية هذا الطلب وهذا الدعاء، لأن هذا الدعاء، يعني هذا الأمر، هداية الصراط المستقيم له أثره في الدنيا وفي الآخرة. وهذا يدل على أن الإنسان لا يمكن أن يهتدي إلى الصراط المستقيم بنفسه، لا يمكن إلا إذا هداه الله إلى ذلك. الناس يظلون يعني في هداية ويتجهون اتجاهات مختلفة ويتبعون آراء مختلفة وأفكار مختلفة ومبادئ مختلفة، إذا تركوا لأنفسهم ظلوا وتفرقوا وذهبوا كل ذهب إلى مذهب، ثم لم يهتدوا إلى الصراط المستقيم. ولذلك كان هذا الدعاء هو الدعاء الوحيد المفروض، لم أعلم أن دعاء غير مفروض على المسلم، وذلك يدل على عظمة هذا الدعاء وأهمية هذا الدعاء. معنى الهداية: الإرشاد والدلالة والتبيين والالهام. هذا الهداية هداية ترشده أو تدل، كله على أمر تبين له أمراً، والالهام أيضاً يعني قد يكون الإلهام في سواء كان في الحشرات أو في غيرها أو في الإنسان، هذا من الهداية. لو نظرنا فعل الهداية، يعني هذا هدى يهدي فعل الهداية، لو لاحظناه، هذا يعني في الاستعمال في العربية قد يتعدى بنفسه من دون حرف جر، كهذه الآية: "اهدنا الصراط المستقيم"، وكقوله تعالى: "إنا هديناه السبيل"، قال: "ويهديك صراطاً مستقيماً". هنا تعدى الفعل بنفسه، وقد يتعدى بالـ "إلى"، تقول: "هداه إلى كذا"، أيضاً كقوله تعالى: "وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم"، هنا استعمله معداً بالـ "إلى"، قال أيضاً: "واهديك إلى ربك فتخشى"، قول موسى لفرعون: "هل لك إلى أن تزكى واهديك إلى ربك فتخشى". وقد يتعدى باللام. الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان. إذا فعل الهداية قد يتعدى بنفسه، وقد يتعدى بالـ "إلى"، وقد يتعدى باللام. طبعاً القرآن استعمل هذه الاستعمالات كلها. جميعها ذكر أهل اللغة والمفسرون أن الفرق بين التعدية بالحرف والتعدية من دون حرف، يعني بنفسه، أن التعدية بالحرف تقال إذا لم يكن في، يعني فيصل بالهداية إليه. يعني لما تقول: "هداه إلى الطريق"، فالمفروض أنه كان في الأصل بعيداً عن الطريق، ثم أوصله وأرشده إليه. إذا عندما نعدي بالحرف التعدية هذا يكون يعني هذا المهدي هو خارج الطريق، خارج الصراط، فنوصله فتقول: "هداه له" و"هداه إليه". فإذا تقال بالحرف إذا لم يكن فيه فيصل بالهداية إليه. التعدية من دون حرف، يعني لما تقول: "هداه الطريق" أو ما إلى ذلك، هذه تقال لمن يكون فيه ولمن لا يكون فيه. يعني ممكن أنه هو ليس في الطريق فنقول: "هداه الطريق"، ويمكن أن يكون في الطريق فنقول: "هداه الطريق". يعني إذا نقول: "هديته إلى الطريق" لمن لم يكن في الطريق فنوصله إليه، وأيضاً هديته للطريق قد يكون لمن لم يكن في الطريق فنوصله إليه، لكن عندما نقول: "هديته الطريق" قد يكون في الطريق فنعرفه بالطريق ونبص به، وأيضاً نقوله لمن لا يكون فيه فنوصله إليه. وهذا هو الاستعمال في القرآن، يعني القرآن الكريم استعمل هذا الفعل معداً بنفسه لمن كان في الطريق، واستعمله أيضاً لمن لم يكن في الطريق. يعني قال تعالى على لسان إبراهيم لابيه: قال: "فاتبعني أهدك صراطاً سوياً"، وأبوه ليس في الصراط بل هو بعيد عنه، هو ضال، لكن قال: "فاتبعني أهدك صراطاً سوياً". فإذا هذا أبوه ليس في الطريق، واستعمل له الفعل الذي يتعدى بنفسه. وقال في المنافقين: "ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً، وإذا لآتيناهم من لدنا أجراً عظيماً ولهديناهم صراطاً مستقيماً"، والمنافقون ليسوا في الصراط بل هم مبتعدون عنه، أيضاً استعمل لهم الفعل الذي يتعدى بنفسه. زين، نلاحظ من ناحية أخرى أيضاً استعمله لمن هم في الصراط، يعني قال تعالى على لسان رسل الله: "قالوا وما لنا لا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما أذيتمونا"، ورسول الله هم في الصراط لا شك، يعني هم سالكون، لكن أيضاً قال: "وقد هدانا سبلنا"، وقال مخاطباً رسوله: "قال ويتم نعمته عليك ويهديك صراطاً مستقيماً"، والرسول هو سالك للصراط. إذا عندما يستعمل الفعل معداً بنفسه هذا محتمل، يقال لمن لم يكن في الصراط فنر شده إليه، ويقال لمن كان في الصراط وهو سالك له أيضاً يقال. ذلك التعدية باللام والـ "إلى" هي لمن لم يكن في الصراط، يعني من ذلك الآية عندما ذكر الخصمين الذين تسوروا المحراب على داوود قالوا: "فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط"، لأنهم كانا بعيدين، وقال: "قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق إن يوصل إليه". إذا التعدية بالحرف هي تقال لمن لم يكن فيه، ونستعمل أيضاً "هداه له" بمعنى بينه له. ويبدو أن الهداية على مراتب، يعني هي ليست واحدة. فالإنسان يحتاج إلى جميع هذه الهدايات. فالبعض الضال يحتاج إلى من يدله على الطريق ويوصله إليه، إذا كان بعيداً عن الطريق، هو يحتاج إلى من يوصله إليه ويدله عليه. نستعمل هنا يعني "هداه إلى الطريق" الذي يصل إلى الطريق. الذي كان بعيداً عن الطريق، والآن وصل. هذا يحتاج إلى هداية أخرى، أولاً إذا يحتاج إلى من يوصله ويرشده إلى الطريق، هذا أول الأمر. الثاني أنه يعرفه بمراحل الطريق وأحوال الطريق وأماكن الهلكة وأماكن النجاة والأمن وما إلى ذلك، إذا هذه أيضاً يحتاج هذا. ثم إذا سلك الطريق مشي به، في الأخير يحتاج إلى من يله غايته وأن يني لمراده، يعني إلى خاتمة الهدايات، وهنا نستعمل الله سبحانه، واستعمل اللام. فعند ذلك يقول كما قال أصحاب الجنة: "الحمد لله الذي هدانا لهذا". هذه خاتمة الهدايات. إذا الإنسان يحتاج إلى كل هذه الهدايات، إذا كان بعيد يحتاج إلى يوصله إلى الطريق، فان وصل الطريق احتاج إلى من يعرفه بأحوال الطريق ذاك إليه، وهذه بالنفس. ثم إذا سلك الطريق يحتاج إلى خاتمة الهدايات، وهو أن يبلغه مراده، وهذه اللام لأن اللام تأتي للتعليل، يقول: "جئت لطلب العلم"، يعني هو هذه الغاية. ولذلك، يعني لو لاحظنا في القرآن الكريم، القرآن لم يستعمل "هدى" معداً باللام، لم يستعملها مع السبيل أو الصراط، ما استعملها. يعني استعمل "إلى"، نعم: "إنك لتهدي إلى صراط مستقيم"، استعملها، استعمل مفردة، نعم: "اهدنا الصراط المستقيم"، "اهدك صراطاً سوياً"، لكن لم يستعمل اللام، يعني "هدى" مع اللام مع السبيل أو الصراط لا تجد.