Speaker A
[تصفيق] [تصفيق] بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وإمام المتقين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين. لا نزال في سورة الفاتحة، بل في خواتيمها. في خاتمة سورة الفاتحة ذكرنا في الحلقة السابقة في قوله تعالى: صراط الذين أنعمت عليهم، وسبب أو من أسباب اختيار الفعل أنعم بالماضي على ينعم، وقلنا إنه قال صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم، فجعل المغضوب عليهم والضالين بالاسم، وأنعمت عليهم بالفعل. وذكرنا أنه اختار الاسم على الفعل في المغضوب عليهم وفي الضالين، لأن الاسم كما تكرر في أكثر من حلقة يدل على الثبوت، أما الفعل فيدل على الحدوث والتجدد. فوصف بأنهم مغضوب عليهم وأنهم ضالون على الثبوت والدوام. قد تقول إذاً لماذا لم يقل صراط المنعم عليهم ليدل على الثبوت أيضاً كما ذكر في المغضوب عليهم؟ أولاً، لو قال المنعم عليهم هكذا بالبناء للمفعول أو البناء الذي سموه اسم المفعول، لو قال ذلك لم يتبين المنعم، يعني من الذي أنعم. لكن لما قال صراط الذين أنعمت عليهم بين المنعم والنعمة إنما تقدر بقدر المنعم من حيث المقدار ومن حيث التكريم الذي ينعم عليه السلطان، غير الذي ينعم عليه من هو دونه، وهكذا غير الذي ينعم عليه الصديق أو غيرهم. فالنعم تقدر بقدر الذي أنعم من حيث مقدارها ومن حيث التكريم. فعندما تقول فلان أنعم عليه السلطان أو أنعم عليه الرئيس أو أنعم عليه الخليفة يختلف في ذلك عن شخص آخر دونه في المنزلة. ولذلك هو أراد أن يبين المنعم ليبين قدر النعمة وعظيمها. لو قال المنعم عليهم لم يتبين ذلك. ثم إنه من عادات القرآن الكريم كما ذكرنا في أكثر من مناسبة أنه ينسب الخير إلى نفسه، ينسب الخير والتفضل والنعم إلى نفسه سبحانه، وينزه نسب السوء إليه سبحانه وتعالى. وقد ذكرنا في أكثر من مرة، كررنا قوله تعالى: "وإنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا". وذكرنا أيضاً في مناسبات أخرى قد يقول الله سبحانه وتعالى زينا لهم أعمالهم، لكن لا يقول أبداً زينا لهم سوء أعمالهم، لا ينسب إلى نفسه السوء. قد يقول زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون، لكن إذا ذكر السوء فلا ينسبه إلى نفسه. يقول زين لهم سوء عملهم، وذلك زين لفرع سوء عمله وصد عن السبيل. ين للناس حب الشهوات من النساء والبنين، لم يقل زينا لهم حب الشهوات، لكن قال زينا السماء الدنيا بينه الكواكب وحفظاً من كل شيء مارد. لقد زين السماء الدنيا بمصابيح، يعني هو الخير كما ذكرنا في أكثر من مناسبة ينسبه إلى نفسه، والنعمة هي خير كلها، ولذلك ينسبها إليه سبحانه وتعالى. قال: وما بكم من نعمة فمن الله، وهو دائماً يعني في كل القرآن ينسب النعمة إلى نفسه. قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيداً، قد أنعم الله علي، قال ربي ما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين. إن هو إلا عبد أنعمنا عليه، ولم يسند فعل النعمة إلى غيره سبحانه وتعالى إلا في آية واحدة بعد إسنادها إلى نفسه، وهي قوله تعالى: "وإذا تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك"، وهي نعمة خاصة بعد ذكر نعمة الله عليه. إذا النعم سبحانه وتعالى ينسبها إلى نفسه، ولذلك لم يقل المنعم عليهم. أما المغضوب عليهم، طيب لماذا لم يقل غضبت عليهم وقال الذين أنعمت عليهم؟ لكن هنا خالف، قال صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم، يعني هو هنا أسنده للمجهول، يعني جاء باسم المفعول، وذلك ليعم الغضب عليهم، غضب الله وغضب الغاضبين لله، فتغضب عليهم ملائكته وكل من يعني كل آخر حتى يعني أخلصوا أصدقائهم سيكون غاضباً عليه يوم القيامة، ويتب بعضهم من بعض. قال تعالى: لقد تقطع بينكم، قال ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً حتى إن جلودهم تتبرأ منهم. ولذلك قال المغضوب عليهم ولم يقل غضبت عليهم، وذلك ليشمل غضب الله وغضب الغاضبين لله من ملائكته وغيرهم، حتى من أصدقائهم. لذلك قال صراط الذين أنعمت عليهم ثم قال غير المغضوب عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين. لماذا كرر؟ لا، كان ممكن يقول غير المغضوب عليهم والضالين، كرر لا، لا، يعني لو حذفها يمكن يفهم أن المباينة لمن جمع الغضب والضلال دون من لم يجمعهما. يعني لو قال صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم والضالين لكان يحتمل أن يكون السؤال بالمباينة والابتعاد وإبعادهم عن الذين جمعوا الغضب والضلال، أما من لم يجمعهما فهما يعني ليست المباعدة مطلوباً منهما. يعني كما تقول أنا لا أحب من تكبر ولا من بخل، أو تقول أنا لا أحب من تكبر وبخل. عندما تقول أنا لا أحب من تكبر وبخل هذا فيها احتمالان، فيها احتمال أنك تسأل يعني أو تنفي الحب عن نفسك عم من عم من تكبر، وعمن بخل كلاهما، وتحتمل أيضاً أنك لا تحب من جمعهما، فمن لم يجمعهما لم يدخل في النفي. ونظير هذا كان تقول أنا لا أحب من ينفق ويتكبر، لاحظ لا أم يعني من يجمع بينهما، لكنك لا تقول أنا لا أحب من ينفق ولا من يتكبر، لأن عند ذلك سيكون نفي الحب عن اثنين، عن الذي ينفق وعن الذي يتكبر، وهذا لا يصح. إذا عندما تذكر لا ستكون المباعدة عنهما جميعاً، وإن لم تذكرها فيكون فيها الأمر احتمال. يعني كما تقول مثلاً في كلامنا أقول لك لا تشرب الحليب واللبن الرائب، مثلاً هم قسم يرى أن الجمع بينهما مؤذن فيقول لا تشرب، لا تشرب الحليب واللبن الرائب، أي لا تجمعهما، لكن ليس هناك من شرب كل واحد منهما على حده. لكنك إذا قلت لا تشرب الحليب ولا تشرب اللبن الرائب كان النهي عن كل منهما سواء اجتمع أم افترقا، لأن كلا منهما قد يكون مؤذياً لهذا الشخص المنهي. ولذلك قال تعالى صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، ولم يقل والضالين. طيب قد تقول لماذا قدم المغضوب عليهم على الضالين؟ ما السبب في تقديم المغضوب عليهم؟ هنالك أكثر من سبب. أولاً، نحن ذكرنا أن المغضوب عليهم هم الذين عرفوا الحق وخالفوه، إن هم عصوا ربهم بعد المعرفة، وهؤلاء أشد ضلالاً من الضالين، لأن الضال قد يكون لا يعرف الحق، كما قال تعالى: قل هل ننبئكم بالاخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. إذا المغضوب عليهم هم أشد ضلالاً، ولذلك بدأ بالمباين بهم، يعني ليس من يعلم كمن يجهل. ليس من علم كمن جهل في العقائد. يقولون هنالك بيت من الشعر يقولون: وعالم بعلمه لم يعمل معذب من قبل عباد الوثن. يعني يبدأ بالذي يعلم ويعصي، ليس من يعلم كمن يجهل. ولذلك بدأ بالمغضوب عليهم. ثم في الحديث الصحيح أنه لما ذكر المغضوب عليهم قال هم اليهود، ولما ذكر الضالين قال هم النصارى، وهم لا شك من اليهود من المغضوب عليهم والضال، والنصارى من الضالين. المغضوب عليهم هم اليهود أسبق من النصارى أقدم منهم، فبدأ بهم للسبق أيضاً. هنالك أمر آخر أن صفة المغضوب عليه هذه الصفة هي أول معصية ظهرت في الوجود. أول معصية ظهرت في الوجود هي صفة المغضوب عليه، وهي صفة إبليس عندما أمر بالسجود لآدم، هو يعلم حق وخالفه، يعلم الأمر ويعرفه ومع ذلك عصاه. فهذه هي أول معصية ظهرت في الوجود وأقدمها على الإطلاق. ثم هي أيضاً أول معصية ظهرت على الأرض وأقدمها على الإطلاق، يعني هي أقدم معصية في الملأ الأعلى وأقدم معصية في الأرض، وذلك حينما قتل ابن آدم أخاه إذ قربا قرباناً فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر فقتل أخاه. وفي الآية الكريمة: ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه، غضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً. إذا هي أيضاً أقدم معصية ظهرت في الأرض فبدأ بها. ثم من ناحية أخرى قال صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم، يعني جعل المغضوب عليهم بجنب المنعم عليهم لأنه المغضوب عليه بعكس المنعم عليه نقيضه. تقول هذا فلان أنعم عليه السلطان أو الخليفة، وفلان غضب عليه. لا تقول فلان أنعم عليه وفلان ظل الضلال، ليس مناقضاً للغضب، لكن الغضب هو المناقض للنعمة. فعندما قال صراط الذين أنعمت عليهم بدأ بمضاد وهو غير المغضوب عليهم، ثم أضاف إلى ذلك أنه هي المناسبة لخواتيم الآية. هذه خاتمة سورة الفاتحة، هي مناسبة لكل ما ورد في السورة من أولها إلى آخرها. فمن لم يحمد الله فهو مغضوب عليه وضال، ومن لم يقر بأن الله رب العالمين فهو مغضوب عليه وضال، ومن لم تدركه رحمة الله الرحمن الرحيم فهو مغضوب عليه وضال، ومن لم يؤمن بيوم الدين ويؤمن بأن الله مالك يوم الدين وأنه ملكه فهو مغضوب عليه وضال، ومن لم يخص الله بالعبادة والاستعانة فهو مغضوب عليه وضال، ومن لم يهتد إلى الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم فهو مغضوب عليه وضال. هكذا، يعني هذه الخاتمة اتفقت وناسبت جميع ما في السورة. لقد تضمنت هذه السورة دين الإسلام بركنيه الإيمان والعمل الصالح. أما الإيمان فقد ذكرت أركانه من إيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والرسل، وذلك عندما قال الحمد لله رب العالمين فهذا الرحمن الرحيم فهذا إيمان بالله، وعندما قال مالك يوم الدين هذا إيمان باليوم الآخر، وعندما قال طلب العبادة له يعني خصه بالعبادة والاستعانة وطلب الهداية إلى الصراط المستقيم، والصراط المستقيم إنما يأتي العبادة وغيرها تأتي عن طرق الرسل. يعني أنت كيف تهتدي إلى الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم إلا عن طريق الرسل وما يبلغه الله إلى رسله، وذلك يقتضي الملائكة التي هي تنزل الوحي، تنزل بالوحي على الرسل وبالكتب التي تنزل بها على الرسل وبعلم التبليغ. إذا عندما قال اهدنا الصراط المستقيم هذا يقتضي الإيمان بالرسل والملائكة والكتب. فإذا هذه إلى هنا هي تضمنت كل أركان الإيمان، وعندما قال إياك نعبد وإياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم إلى آخره هذا العمل، العمل الصالح. فإذا هذه السورة جمعت ركني الإسلام الإيمان والعمل الصالح، وأيضاً هي يعني جمعت إضافة إلى ذلك توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية. فعندما قال رب العالمين هذا توحيد الربوبية، الحمد لله رب العالمين، وعندما قال إياك ن...