Speaker A
لذلك القرآن لم يذكر الإنسان إلا على وجه الذم، لأنه يقصد بالإنسان الإنسان المتصف بهذه الصفات. ولما قال الله عز وجل: "وخلق الإنسان ضعيفًا"، ليش؟ ليش ضعيف الإنسان؟ لأن في هذه الصفات السلبية، فهذه تجعلك ضعيفًا. متى تصبح قويًا؟ حينما تنتقل من نموذج الإنسان إلى نموذج الإيمان. حينما تصبح الإنسان المؤمن هنا تختلف، تصبح لديك مواصفات مختلفة. ولذلك دائمًا الله عز وجل يقول: "إلا الذين آمنوا" و"إلا المصلين"، هذه مرحلة أخرى. لذلك مشروع التربية في القرآن هو نقل الإنسان من الاتصاف بهذه الصفات السلبية إلى نموذج آخر، وهو نموذج الإنسان المؤمن الذي يتصف بأضداد هذه الصفات. شفت الصفات التي ذكرتها لك قبل قليل؟ القرآن ذكر أضدادها في وهو نموذج الإنسان المؤمن. فلازم نكون نحن عارفين الصفات هذه. مشروعك التربوي في المدرسة المفترض من يوم تدخل المدرسة، مشروع التعليم أنه يبدأ بتطهير النفس الإنسانية عند الطالب من هذه الصفات الـ 15. فكرة البوصلة، أنا دائمًا أكرر هذه الفكرة، أن أعظم ما يحتاج إليه الإنسان في حياته هو أكثر ما يفتقده في نظامه التعليمي. يعني أنا لما أدرس من الابتدائية إلى أن أتخرج من الدكتوراه وليس من البكالوريوس الجامعي، وأنا أرى أن منظومة التعليم هذه كلها لا تعطيني بوصلة في حياتي، كيف أتعامل مع هذه الحياة، كيف أواجه، وكيف أعرض، كيف أحاور، وكيف أعرض، كيف أنتقد، وكيف أتجاوز، وكيف أتغافل، وكيف أنهي علاقاتي مع الناس، وكيف أنشئ علاقاتي مع الناس، كيف أتعامل مع أصدقائي، كيف أتعامل مع يعني القضايا التي تهم كل إنسان والتي ممكن أن إذا تجاهلتها تخلق لك بؤسًا وكآبة في حياتك. الأشياء التي تحكم نفسيتك إلى أن تموت هي التي لا تتعلمها في المدارس. المدارس تغذيك بالمعلومات لكنها لا تزوجك ببوصلة حياتية من خلالها تدير حياتك كلها. وهنا ميزة النظام التربوي القرآني أنه يزودك ببوصلة، يعني تدير حياتك كلها وفقًا لها وبوصلة واضحة تمامًا. ممكن أذكر لك 20 مثالًا من يعني في تجسيد البوصلة القرآنية. يعني مثال في السابق كنت مثلاً أتحاور مع الجميع، أي شخص أتحاور معه ما في مشكلة، لكن حينما تعود إلى القرآن يخبرك أن الحوار ليس مع الجميع، لأن الناس نوعان: ناس تحب الحقيقة وناس تكره الحقيقة. في ناس تكره الحقيقة لأن الحقيقة مسؤولية، والمسؤولية تتطلب عملًا، والعمل له كلفة، والإنسان يكره الكلفة، يريد الراحة، بالتالي هو لا يريد الحقيقة حتى لا يتحمل تبعاتها بعد ذلك. فهؤلاء لا ينفع معهم الحوار، لأنه هو أصلاً لا يريد الحقيقة، والحوار إنما شرع لكي يوصل الحقائق. فإذا كان الآخر لا يريد الحقيقة أصلاً، فلماذا نتحاور؟ وهذا ما توضحه جيدًا بداية سورة البقرة. الله عز وجل يقول: "إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون". طيب، إيش الفائدة؟ ندعوهم إلى الله إذا كان الكفار ما في فائدة منهم؟ لا، هو يقصد الصنف الجاحد الذين كفروا، يعني الذين جحدوا، هؤلاء لا فائدة من الحوار معهم، اتركهم. لكن بعد شوي تجيك آيات: "يا أيها الناس" يخاطب عموم الناس الذين يريدون الحقيقة، هؤلاء هم الذين ضلوا عن الحقيقة، لا يعرفون الحقيقة، هؤلاء يتحاور معهم. "إن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله"، يصير في نقاش وحوار مع الذين يريدون الحقيقة ولا يعرفونها. أما الذي أخذ موقفًا سلبيًا من الحقيقة لأنه لا يريدها أصلاً، هذا لا تفتح معه باب الحوار. وهكذا أنا ارتحت نفسيًا، أشوف أول شيء أتأمل في الدوافع النفسية عند الشخص، إذا كان هو فعلاً لديه ما يثبت أنه لا يريد الحقيقة أصلاً. وهذا يعني أكثر ما كل ما يشخص المسألة لما تجده مثلاً في شخصية مشهورة يحبها حبًا كبيرًا، ما يستطيع أن يناقشك بعقلانية، خلاص هو مؤيد لهذا الشخص تمامًا 100%. خلاص تقول: طيب، الله يسعدك معاه، والله يسهل لك، بس أنا ما أقدر أناقشك في أي فكرة من أفكاره، لأن أنت مش معيارك الدليل، معيارك هذا الشخص، هذا الشخص بما أنه قال هذه الفكرة فهي صحيحة، وهكذا في أشياء كثيرة. أو أحيانًا في الآراء السياسية، هو مؤيد الدولة الفلانية، لا تقول إلا صواب الدولة الفلانية، لا يصدر منها إلا خطأ. خلاص، الشخص الذي يتمحور حول الأشياء والأشخاص وليس الأدلة، لا فائدة من الحوار معه. لذلك الله عز وجل ماذا قال؟ فاعرض عنه، خلاص فاعرض عنهم. طيب، من الأشياء التي تفيدك فيها البوصلة القرآنية ونفعتني أنا شخصيًا فكرة المواجهة والإعراض، متى تواجه ومتى تعرض؟ في السابق كنا نعتقد المواجهة دائمًا ضد أي باطل، لكن القرآن يخبرنا أن الباطل نوعان: باطل يموت بالمواجهة وباطل يموت بالإعراض. في باطل إذا واجهته يموت، وفي باطل إذا واجهته ينمو ويزدهر. أنا أضرب لك مثالًا، شفت سلمان الرشدي في بداية الثمانينات لما طلع كتابه "آيات الشيطان"، آيات شيطانية، كان عندنا أحد الأساتذة يقول إنه كان زميل لهم في لندن في ذاك الوقت. لما طلع كتاب "آيات شيطانية" ما حد درى عنه ولا أحد سمع عنه أي شيء، أعرضوا عنه، الناس تركينه أصلاً، وهو كاتب مجهول لا أحد يدري عنه، إلى أن جاء الخميني وأصدر فتوى بإهدار دمه، صار حديث العالم في كل منبر دولي يُستضاف وله جوائز دولية، وكتابه صار من أكثر الكتب انتشارًا في العالم. ماذا فعل؟ روج له ترويجًا مجانيًا، وهذا يدخل في باب الإثم، العدوان، التعاون على الإثم والعدوان، لأنك أنت أسهمت في إشهاره، أنت أسهمت في انتشار هذا الباطل من خلال المواجهة الخاطئة له. أم صار مشهورًا ومعروفًا وكل شيء بسبب إيش؟ التصدي له. ولو أنك أعرضت عنه كما قال القرآن انتهت القضية. شوف المقابلة الصهيونية، إيش فعل مع المسيري؟ المسيري رحمه الله عليه، عبد الوهاب المسيري من خير العقول الإسلامية في العصر الحالي. في عام 2000 أصدر موسوعته، له تعرف مساعته الكبيرة عن اليهود واليهودية والصهيونية، وكان يترقب رد فعل الصهاينة، ماذا سيقولون عنه؟ إنهم يلفون كتبًا ويعقدون مؤتمرات ويكتبون مقالات عنه، ولا سووا شيء، تركوه تمامًا، أهملوه تمامًا. حتى المسيري رحمه الله عليه كان يسميها مؤامرة الصمت، تركوه حتى يموت المشروع، لأنهم لو تصدوا له وتكلموا عنه سيبدأ الناس يتشوفون له، إيش هذا؟ إيش قال؟ إيش كانت عنده أفكار؟ فيبدؤون يهتمون بالكتاب، لكنهم أعرضوا عنه. فخاطب المسيري غضبًا شديدًا على هذا الإعراض، لكن هم طبقوا نفس هذا الذي نقوله اليوم. فكرة المواجهة لا تكون مع كل شيء، نحن لا نواجه لأجل المواجهة، هي القضية مش استعراض عضلات. فإذا في شخص تافه مثلاً، الحين هذا حق المنصات الإعلامية، إذا في شخص تافه بعض المرات استضافته ممكن تزيد من انتشار هذه التفاهة، بعض المرات الإعراض عن هذه الشخصية، الأفكار. يعني أنا قاعد أحاول أفتك حتى بطريقة عملية، يعني حتى حقي أنا على سبيل المثال، يعني، أيه، لا هو هؤلاء يعني المشهورون الذين يعتمدون على التفاهة والذين يعتمدون على الأشياء السيئة في انتشارهم، هؤلاء ينتشرون بسبب ماذا؟ بسبب التفاتنا لهم. لو أوقفنا الالتفات لهم ولم ننتبه لهم وأعرضنا عنهم، لا يستطيعون أن يكملوا مسيرتهم، راح يصححونها على الأقل، يمكن بعد التفاتنا وقود لهم. التفاتنا وقود، شفت السيارة مهما كانت فخمة تمشي بدون بترول ما تمشي، لازم تضع فيها وقود وتمشي. هؤلاء وقودهم الالتفات، إذا ما التفتنا ما يمشون. لذلك هو يريد أن يجلب انتباهك، ماذا يفعل؟ ما عنده شيء إيجابي، ما عنده شيء جيد، ما عنده شيء نافع يقدمه للناس، فيبدأ بالأعمال السيئة، يتاجر بكل الناس، يتاجر بأصدقاء حتى بعضهم يتاجر بأهله ويعرضهم للناس، المهم أنه يجلب الانتباه. أنت لما تبدأ تتحدث عنه بهدف التحذير، أنت لا تدرك بذلك أنك ماذا تفعل؟ تروج له. هو يريد هذا الاهتمام، هو يريد لهذا الانتباه، والمسألة خاضعة لتقدير الناس في الأساس، لأن في بعض الناس مثلاً فعلاً إذا كان الباطل كبيرًا جدًا ومنتشرًا يجب أن يواجه، لكن باطل صغير بالإعراض عنه ممكن أنه ينتهي. يجب أن تعرض عنه، لذلك لابد أن نفهم فلسفة المواجهة والإعراض في القرآن، لأنها تحدد لك بوصلتك تمامًا في هذه الحياة، متى تواجه ومتى تعرض. يعني كثير من الأحيان تجد معارك وهمية تفتح لك وأنت تضمن الانتصار فيها، لكنك تعرض. يعني أحيانًا أنت يكون هدفك عندك هدف أساسي في حياتك، لكن أي واحد عنده هدف أساسي في حياته وينجح في هذا الأمر يخرج له أعداء، هؤلاء الأعداء يفتحون لك معارك جانبية. فإذا أنت تقول برد على هذا وبرد على هذا وبرد على هذا وأنت ضامن أنك تنتصر عليه، لكن كله يأخذ من جهدك، يحرق من رصيدك الاستراتيجي تجاه مشروعك الأساس. مع الوقت إيش يصير؟ تصبح هذه المعارك الجانبية هي هدفك الأساسي وتنسى الهدف لك، تنشغل بالعالم. هذا رأيته رأي العين، رأيت الشخصيات بدأت بمشاريع كبرى في حياتها، لكن لما صار اشتباك مع خصومهم أنسوهم الهدف الأساسي، صار طول عمره مفرغ للمعارك الجانبية إلى أن يصل 60، 70 ثم يدرك بعد ذلك أن كل مشواره كان غلط في غلط. لذلك إذا ما فهمت فلسفة المواجهة والإعراض في القرآن تتعب كثيرًا. ما في أسهل من أن تفتح لك المعارك الجانبية، وما في أكثر إغراء من شهية الانتصار في المعارك الجانبية. أنت تقول هذه أنا أقدر أكسرها، هذا الشخص أنا أقدر أكسره. يعني في مسؤول أحيانًا ينافس واحد، فأنت تقدر تكسر المسؤول هذا، بس يأخذ من جهدك. تقول إيش قيمته؟ إيش قيمته في مشروعك الأساسي، في هدفك الأساسي؟ في حد خلها، يعني تجاوز عنه لو أخطأ، إذا كان الخطأ ليس يعني يؤدي إلى ضرر عام في المجتمع، نعم اتركه. يعني إذا كان الضرر لحق بي أنا كشخص، أنا ممكن أتجاوز إذا أخطأ في حقي أنا شخصيًا. وبعدين جاتني فرصة الانتقام؟ لا، أنا أتجاوز إذا كان الأمر متعلق به. لكن إذا كان خطأه وفساده متعلق بالشأن العام، لا أواجهه في هذا الأمر لأنه يترتب عليه منفعة كبرى. لكن إذا كانت منفعة شخصية فقط، شهية انتقام، لا أنا أتجاوز عنها، لأن إذا بنتقم من هذا وبانتقم من هذا، متى بنخلص؟ متى؟ والشيطان دائمًا يغريك بإيش؟ أنك قادر، صح؟ قادر. والإنسان يحب أن يرى أثر الانتقام في الآخرين. يعني إذا أنت أساء لي، أحب أن أرى كيف وضعك بعد أن أساء.