Speaker A
[تصفيق] [تصفيق] الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وإمام الفصحاء والبلغاء سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد، تكلمنا في الحلقة السابقة في قوله تعالى: "اهدنا الصراط المستقيم"، وذكرنا ما يتعلق بالهداية وأقسامها وما إلى ذلك. قد يثار سؤال: إنه قدم مفعولي العبادة والاستعانة، فقال: "إياك نعبد وإياك نستعين"، فلم لم يقدم مفعول الهداية؟ يعني هو قال: "اهدنا"، لما لم يقل: "إيانا اهدي" كما قال: "إياك نعبد"؟ طبعا هذا الأمر لا يصح، هذا المعنى لا يصح. "إياك نعبد" هذا تقديم، التقديم هنا يفيد في غالب الاختصاص والقصر كما ذكرنا. عندما تقول: "إياك نعبد"، أين خصك بالعبادة؟ "إياك نستعين"، أي نخصك بالاستعانة، ولا يجوز ولا يصح نقول: "إيانا اهدي"، لأن معناها "إيانا اهدي" معنى "اهدنا" ولا تهدي أحدا غيرنا، يعني خصنا بالهداية، وهذا لا يصح. يعني لا يحق لك ولا يجوز أن تقول: "اللهم ارحمني ولا ترحم أحدا غيري"، لا يجوز، أو "اللهم اهدني ولا تهدي أحدا غيري"، هذا لا يجوز. ولذلك لا يصح أن يقدم، يعني هناك قدم "إياك نعبد" لأن الأمر يتطلب ذلك، تقديم مفعول العبادة والاستعانة، هذا الأمر يتطلب والمعنى يتطلب، لكن هنا لا يصح أن يقدم مفعول الهداية. فلذلك هو قال: "اهدنا الصراط المستقيم". قد تقول: لما قال "اهدنا" ولم يقل "اهدني"، حقيقة هذا له أكثر من سبب. هو أولا مناسب لما مر فيما سبق عندما قال: "إياك نعبد وإياك نستعين"، فناسب هذا الجمع في الجمع السابق "نعبد ونستعين"، وهو عبادة الجميع واستعانة الجميع، فناسب إذا طلب الهداية للجميع، هذا أمر. الأمر الآخر، هذا فيه إشاعة للروح، لروح الجماعة وقتل لروح الأثر والأنانية، يعني أن تطلب للآخرين ما تطلب لنفسك، وتدعو لهم ما تدعو لنفسك، هذا فيه من الحب للآخرين، وأن تحب لهم ما أحببت لنفسك، وأن تنزع من نفسك هذا الأثر والاستئثار بالشيء. فإذا هذا فيها إشاعة الروح الجماعة والمودة والأخوة، فإن تدعو للآخرين ما تدعو لنفسك، هذا أمر. الأمر الآخر، الاجتماع على الهدى، يعني لما تقول: "اهدنا الصراط المستقيم"، الاجتماع على الهدى والسير سير المجموعة في صراط، هذا تثبيت وقوة، لأن إذا كثر السالكون في الطريق ثبت بعضهم بعضا، وشاعت ورسخت الطمأنينة، وشاع الأمن، وهذا كثرة السالكين تورث الأنس، بينما تهون المشقة، بينما الانفراد، يعني السالك وحده، هذا قد يعني يستجلب الوحشة، تجلب الملل، يورث الضعف، يعني هذا السالك وحده يسير في طريق وحده قد يمل، قد يضعف، قد يسقط، وقد تأكله ذئاب إذا كان وحده، ما أحد معه. كلما كثر السالكون كان ذلك أدعى إلى الأمن والتثبيت والطمأنينة والاستئناس، بينما لو اهتدى وحده ليس معه أحد، سيكون سيره شاقا، شاقا شديدا عليه، صعبا عليه، فيه وحشة شديدة، وكما قلنا قد يضعف وقد يسقط وقد تأكله الذئاب. وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية. ثم الاجتماع رحمة، والفرقة عذاب، الله سبحانه وتعالى يعني يشير لنا إلى أمر الاجتماع والأنس، بالاجتماع وطبيعة حب النفس للاجتماع لا أن يكون منفردا. يعني الله سبحانه، وعندما ذكر الجنة والنار، لاحظ قال: "ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها"، قال: "خالدين" هذه الجنة، ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها. وقال: "ومن يعص في الآية التي بعدها في النساء الآية الثالثة عشرة والرابعة عشرة: ومن يعص الله ورسوله ويتعدى حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين". هناك قال: "يدخله جنات خالدين فيها"، وهنا قال: "يدخله نارا خالدا فيها"، مفرد. فهناك العذاب بالنعيم والاستمتاع بالأنس والاجتماع، لأن الإنسان أينما كان إذا كان منفردا يعني يطلب الأنس والاجتماع ويذم من الوحدة، الوحدة عذاب يتعذب بها أينما وضعته، لو وضعته في النعيم وحده لطلب الاستئناس مع غيره، ويعد هذا النعيم هو يعده سجنا له. لكن هنا في النار قال: "ومن يعص الله ورسوله ويتعدى حدوده يدخله نارا خالدا فيها"، عذبه بشيئين: بالنار والوحدة، لأن الوحدة عذاب شيء. ولذلك لما قال: "اهدنا الصراط المستقيم"، هذا الاستئناس بالاجتماع والتثبيت، هذا فيه شيء يعني لا يؤديه لو قال: "اهدني الصراط المستقيم"، فيدعو لنفسه وحدها، هذا الدعاء، يعني قوله تعالى: "اهدنا الصراط المستقيم"، هذا ارتبط، يعني لو لاحظناه في هذه السورة، وضعه في هذه السورة هو مرتبط بأول السورة وبوسطها وبآخرها. نلاحظ قال: "الحمد لله رب العالمين"، وكما ذكرنا في حلقات ماضية، إن مهمة الرب هي الهداية، وكثيرا ما اقترنت الهداية باسمه تعالى "الرب" في القرآن الكريم كما ذكرنا. إذا "اهدنا الصراط المستقيم" هو مرتبط بقوله "رب العالمين". فهنا ارتبط باعتبار أن مهمة الرب الأولى والمربي الأولى هي الهداية، وارتبط بقوله الرحمن الرحيم، لأن من هداه الله فقد رحمه، يعني إذا اهتدى من رحمه، وأنت الآن تطلب من الرحمن الرحيم، يعني عندما ذكرت: "الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم"، ثم طلبت منه الهداية، إذا أنت تطلب من الرحمن الرحيم ألا يتركك ضالا، ورحمته تابى أن يترك من سال الهدي والنجاة من الضلال، تابى أن يتركه ضالا مضيعا. ثم قال: "إياك نعبد"، والعبادة ينبغي أن تكون على الصراط المستقيم، على الطريقة الصحيحة، لأنه لا يمكن أن تقبل عبادة على غير هذا الصراط المستقيم، لا تتحقق العبادة إلا بالهداية إلى الطريق المستقيم، يعني الطريق الذي يرتضيه ربنا. فإذا عندما قال: "إياك نعبد وإياك نستعين"، "اهدنا الصراط المستقيم"، فالعبادة هي ينبغي أن تكون على الصراط المستقيم. ثم قال: "إياك نستعين"، ومن الاستعانة أن تطلب منه الهداية والثبات عليها من الاستعانة. ثم قال: "صراط الذين أنعمت عليهم"، والذين أنعم الله عليهم هم السالكون الذين سلكوا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم منهم هم الذين سلكوا الصراط المستقيم. ثم قال: "غير المغضوب عليهم ولا الضالين"، والضالون هم الذين ظلوا عن الصراط المستقيم وتاهوا عنه وابتعدوا عنه، والقرآن كثيرا ما يجمع الضلال والهدى على أنهما نقيضان: تضل من تشاء وتهدي من تشاء، تضل من يشاء وتهدي من يشاء، إذا هما نقيضان. فإذا الظال هم نقيض الذين اهتدوا إلى الصراط المستقيم. فارتبط هذا الدعاء ارتبط بالسورة كلها من أولها إلى آخرها. الآن ننظر قال: "اهدنا الصراط المستقيم"، اختار كلمة الصراط ولم يختر الطريق أو السبيل أو ما إلى ذلك. لو لاحظنا البناء اللغوي للصراط، هو على وزن فعال. وزن فعال في الأفعال، في الأله، هو من يقولون أهل اللغة، أهل الصرف، يقول هذا من الأوزان الدالة على الاشتمال، تشتمل على الشيء، كالرباط عندما تربط شيئا تشتمل عليه، الحزام يشتمل، الشداد يشتمل على الشيء، السداد عندما تسد شيئا لابد يكون يشتمل على هذا، الثغرة، الخمار أيضا عندما تخمره ينبغي أن يكون مشتملا، الغطاء، اللحاف، الفراش هذه. يعني هذه الصيغة أصلا هذه الصيغة تدل على الاشتمال. فإذا هذا بخلاف كلمة الطريق، ليست في صيغتها تدل على هذا المعنى. صيغة الصراط بصيغتها في البناء هكذا تدل على أن هذا واسع رحب يسع كل السالكين من دون ضيق أو عناء. كلمة طريق هي أصلا هي فعيل بمعنى مفعول، يعني بمعنى مطروق، هذا أصلا مطروق يعني مسلوك، لكن هذه الصيغة لا تدل على إجمال، حتى كلمة سبيل، كلمة سبيل يعني أظهر شيء على أنها فعيل بمعنى مفعول من أسبله الطريق، إذا كثرت سابلها، يعني إذا كثر السالكون فيها، معنى مفعول، لكن ليست في صيغتها ما تدل أو ما يدل على الاشتمال. فإذا أولا هي كلمة الصراط بحد ذاتها هكذا في بنائها اللغوي هي تدل على الاشتمال، يعني تشتمل على السالكين، وهو واسع، هذا رحب. هذا أصل أصل البناء اللغوي، حتى أظن الزمخشري في الكشاف يقول: الصراط من سرط سرطه، كأنه يبتلع السابلة، هكذا يبتلع السابلة، يعني كلما سلكوا فيه كانما يبتلعهم لسعته وامتداده. جاء بالصراط كما نرى مفردا معرفا بتعريف بالألف واللام، الصراط، والإضافة: صراط الذين أنعمت عليهم، وموصوف بالاستقامة. إذا هذا الصراط جاء مفردا معرفا بتعريف بالألف واللام وبالإضافة وموصوف بالاستقامة، مما يدل على أنه طريق واحد، صراط واحد موصوف بالاستقامة، لأنه ليس بين النقطتين أكثر من مستقيم واحد، إذا هو طريق واحد، ليس هناك طريق غيره، أي طريق آخر غير هذا الصراط هو لا يوصل إلى المطلوب، لا يوصل إلى الله. وقال الصراط المستقيم، إذا هو أقصر الطرق وأقربها إلى المطلوب. أقصرها المقصود بسلوك الصراط وهداية الصراط هو الوصول إلى الله، كما قال ربنا: "إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا"، إذا المقصود من سلوك الصراط هو الوصول إلى الله، وربنا على صراط مستقيم كما أخبر عن نفسه، قال: "إن ربي على صراط مستقيم"، وقال: "هذا صراط على مستقيم"، إذا كل طريق آخر لا يوصل إلى الله، والمقصود بالوصول إلى الله الوصول إلى مرضاته، والكلنا مردود إليه شئنا أم أبينا، يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقه، لكن المقصود هو الوصول إلى مرضاته سبحانه. إذا ليس هناك طريق آخر غير هذا الطريق مستقيم، صراط واحد فقط معرف بالألف مضافا إلى المنعم إليهم، ثم مستقيم موصوف بالاستقامة. كلمة الصراط في القرآن وردت مفردة، لم يعني لم ترد مجموعة، بخلاف السبل والسبيل، السبيل وردت مفردة ووردت مجموعة، لأن الصراط هو أوسع السبل، وهو الذي تفضي إليه السبل. السبل هي الطرق الأخرى التي تفضي إلى الصراط. قال تعالى: "وإن هذا صراطي مستقيم فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله"، وقال: "يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام"، وهي طرق الخير المتعددة التي يجمعها الصراط المستقيم، وهو طريق الإسلام. قال: "والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا"، هذه سبل الخير. إذا السبيل قد يأتي مفردا، قل: هذه سبيلي، أدعو إلى الله، لم يقل صراطي، لأن الدعوة إلى الله هي إحدى السبل وليست هي كل الإسلام، سبيل الطريق، لكن الصراط المستقيم هذا هو صراط واحد مفرد، لم يأت به مجموعا، لأنه هو الطريق الإسلامي الرحب الواسع الذي تفضي إليه السبل، واتباع غير هذا الصراط هو يذهب وينى بك عن المقصود. ثم زاد هذا الصراط توضيحا وبيانا بعد وصفه بالاستقامة و...