Speaker A
في صباح يوم 28 أبريل عام 2009، يوم ربيعي مشمس طبيعي جداً، كانت إحدى سفن الشحن الأمريكية متواجدة في المحيط الهندي محملة بأطنان من المساعدات الإنسانية متجهة إلى كينيا. يوجد على متن السفينة 23 شخصاً، أشخاص متحمسون جداً كونهم قربوا يوصلوا إلى وجهتهم أخيراً. لكن الشيء الذي لا يعرفونه هؤلاء الأشخاص هو أنهم على وشك أن يصيروا جزءاً من أشهر عمليات القرصنة بالتاريخ. على بعد 400 ميل من سواحل الصومال، اقتربت زوارق صغيرة نحو السفينة الأمريكية. على متن هذه الزوارق يوجد مجموعة مسلحين يطلق عليهم اسم القراصنة. القراصنة اقتحموا السفينة، أطلقوا النار وقاموا باختطاف قبطان السفينة وطالبوا بفدية قيمتها ملايين الدولارات في سبيل إطلاق سراح القبطان. القراصنة لا يهمهم من يدفع هذه الأموال، الحكومة أو الجيش، لا يهمهم أبداً. المهم أن تعطيهم الأموال في أسرع وقت ممكن، وإذا لم تعطيهم، ستظل تحت الأسر لأسابيع أو لأشهر أو حتى لسنوات، وفي النهاية قد يتم قتلك. حادثة السفينة الأمريكية وجهت أنظار الناس إلى دولة تعتبر من أكثر الدول خطورة على وجه الأرض، وهي دولة الصومال. الصومال التي صارت على سواحلها مئات عمليات القرصنة، لكن في السنوات الأخيرة اختفت هذه العمليات. كيف اختفت القرصنة؟ وكيف بدأت أصلاً؟ كيف تحولت الصومال من أكثر الدول العربية استقراراً إلى واحدة من أخطر دول العالم؟ هذه الأسئلة سنجيب عليها اليوم، لأنني أنا حمزة عبد الرزاق، واليوم سنتحدث عن دولة الصومال. سنفهم هذه الدولة التي عانت لمدّة سنوات من الاستعمار والانقلابات والحروب الأهلية والمجاعة والقرصنة والإرهاب. فيديو اليوم سيكون فيديو مليء بالمعلومات والقصص الغريبة والعجيبة، وفي نهاية الفيديو مفاجأة لكم، مفاجأة جداً عظيمة وكبيرة. خلكم موجودين وخلكم متحمسين. لن أطيل عليكم بالمقدمة أكثر من هذا، نقول بسم الله، ويلا. [موسيقى] نبدأ. قارة أفريقيا تاريخياً كانت مطمعاً للدول الاستعمارية، خصوصاً الأماكن المهمة في هذه القارة مثل هذا المكان، القرن الأفريقي، الذي يقع قريباً جداً من واحد من أهم طرق التجارة في العالم. في هذا المكان توجد دولة الصومال. الصومال التي وقعت تحت سيطرة الاستعمار في بدايات القرن الماضي، قسمت إلى منطقتين رئيسيتين: صومال بريطاني وصومال إيطالي. لذلك قامت في هذه المنطقة العديد من المعارك أثناء الحرب العالمية الثانية. نمشي بالوقت ونصل لعام 1960، في هذا العام استقلت الصومال عن بريطانيا، وبعد هذا الاستقلال بأيام استقلت أيضاً عن إيطاليا، وتم الإعلان عن توحيد دولة الصومال. بعد الاستقلال عاشت الصومال سنوات من الاستقرار، حدثت انتخابات، وحدثت علاقات مع الدول، لكن للأسف هذا الاستقرار لم يدم طويلاً. في إحدى مناطق الصومال المنكوبة، بعد اغتيال الرئيس، كان الجميع يفكر من يجب أن يكون الرئيس الآن، متى سنجري انتخابات جديدة. لكن بعد يومين من الحادثة، استولى الجيش على السلطة وأعلن الجنرال محمد سياد بري عن نفسه رئيساً جديداً للصومال. الجنرال سياد بري حكم الصومال قرابة 22 سنة. في بداية حكمه تبنى الفكر الاشتراكي وتقرب للاتحاد السوفيتي، ألغى الأحزاب في الصومال وجعل الدولة كلها تحت سيطرة الجيش. هذا الأمر جعل الاستقرار يزيد في الصومال، لأنه كان دائماً لا توجد صراعات بين القبائل هناك، ومع قبضة الجيش القوية، أصبحت الصراعات بين القبائل أقل نسبياً. في عام 1977 دخلت الصومال في حرب ضخمة ضد إثيوبيا. الدولتان كانتا تتنازعان على إقليم موجود بينهما. في البداية، استطاعت الصومال أن تدخل على إثيوبيا وتسيطر على أجزاء من هذا الإقليم، لكن بعد أن تخلى السوفيت عن الصومال وقاموا بدعم إثيوبيا بدلاً منها، هزم الجيش الإثيوبي الصوماليين وقتل الآلاف منهم. الحرب تحديداً أدخلت الصومال في أزمة اقتصادية كبيرة في دولة أصلاً تعاني اقتصادياً. مع الوقت انتشر الفقر والفساد والانقسامات القبلية في الصومال. لذلك ظهر معارضون للرئيس سياد بري. في البداية قمع سياد بري المعارضين واعتقل الآلاف منهم، لكن المعارضة عادت بعد سنوات بشكل أكبر وأعنف. المعارضة عادت مسلحة وأجبرت سياد بري على الهروب من الصومال. ومن هنا تغير كل شيء للأسف، تغير كل شيء للأسوأ. من هنا سيبدأ الانهيار الحقيقي للصومال. فالآن الصومال تحولت إلى دولة من دون سلطة، لذلك ستبدأ فيها حرب أهلية طاحنة. ومن هنا ستبدأ قصتنا فعلياً. بعد انهيار الحكومة في الصومال في بداية التسعينيات، قامت الفوضى وانقسمت الصومال إلى مجموعة مناطق يحكمها زعماء قبائل أو كما يطلق عليهم أمراء الحرب. نتيجة لهذه الفوضى، كان من المتوقع أن يتم استغلال سواحل الصومال التي تعد أطول ساحل في أفريقيا. فقامت مجموعة قوارب صيد أجنبية بالصيد في مياه الصومال. أغلب هذه القوارب كانت قادمة من اليمن وإيران. هؤلاء الصيادين قاموا بسرقة المأكولات البحرية الموجودة في بحر الصومال، والتي كان يعتمد عليها الصوماليون في رزقتهم. سرقوا مأكولات بحرية بقيمة مئات الملايين من الدولارات كل سنة، وعام بعد عام كانت السرقة أكبر. هذا الأمر أثر بشكل كبير على الصيادين الصوماليين الذين ببساطة لا توجد لديهم دولة تحميهم، لا يوجد لديهم نظام أو جيش، لا توجد سلطة أبداً. ولازم نكون على علم أن جزءاً كبيراً من الصوماليين يعتمدون على الصيد كمصدر دخل رئيسي لهم. لذلك، عندما تمت سرقة ثرواتهم، شعروا بظلم شديد، لأنه ببساطة سُرقت رزقتهم. لكن للأسف، هذا لم يكن كل شيء. فهناك دول استغلت مياه الصومال، دول مثل إيطاليا وسويسرا التي استغلت غياب السلطة في الصومال وقامت بالتخلص من نفاياتها النووية في سواحل الصومال. آلاف الأطنان من النفايات النووية المشعة تركوها في مياه الصومال. هذا الأمر بالطبع أدى إلى تلوث المياه وقتل ملايين الأسماك والكائنات البحرية. هذا الأمر أيضاً أثر على الصيادين الصوماليين الذين هم من الأصل متأثرون بسرقة ثرواتهم. ما حدث لهم كان ظلماً شديداً. هذا الأمر جعل جزءاً كبيراً من الصوماليين يشعرون بالظلم، وهذا الظلم سنة وراء سنة ولد عند الصوماليين حقداً ورغبة بالرد على كل شخص يقترب من مياههم. ومن هنا ببساطة ستبدأ القرصنة. في البداية، دعونا نعرف ما هي القرصنة. القرصنة مصطلح قديم جداً يشير إلى عمليات الهجوم والسرقة والاختطاف التي تحدث في البحر. القرصنة موجودة على مدار التاريخ منذ أن عرف الإنسان التجارة في البحر، وأيضاً موجودة في كل مكان في عصرنا الحالي. انتشرت القرصنة في أماكن مثل خليج غينيا في غرب أفريقيا، ومضيق ملقا في جنوب شرق آسيا، وبالتأكيد في البحر الكاريبي وأمريكا الجنوبية، وأيضاً في القرن الأفريقي، تحديداً سواحل الصومال. القرصنة ظهرت في الصومال في منتصف التسعينيات في عز الحرب وفراغ السلطة. ظهرت بسبب استياء الصيادين من عمليات السرقة والنهب والتلويح لثرواتهم. لذلك بصراحة، هناك بعض الظلم في القول إن الذين كانوا يقومون بالقرصنة في ذلك الوقت كانوا قراصنة حقيقيين. هؤلاء الناس كان هدفهم في البداية طرد السفن الأجنبية التي تأتي إلى السواحل. كان الموضوع شكل من أشكال الحراسة والحماية لثرواتهم ومصدر رزقهم. حتى أن هؤلاء الجماعة من الناس أطلقوا على أنفسهم اسم حراس السواحل، دلالة على أن هدفهم هو حماية السواحل والدفاع عن مناطقهم. لكن كل هذا سيتغير في عام 2004. في ديسمبر من عام 2004، حدث زلزال عنيف تحت المحيط الهندي، الأمر الذي أدى إلى تسونامي مدمر. التسونامي ضرب سواحل إندونيسيا وتايلاند والهند وسيريلانكا. هذا التسونامي قتل حوالي ربع مليون شخص ودمر عدة مدن. عدد القتلى تخطى 220 ألف شخص. ومن شدة قوة التسونامي وصل إلى سواحل الصومال وقتل هناك أكثر من 300 شخص ودمر أيضاً عشرات القرى والمدن. بعض القرى الصومالية اختفت بالكامل، وكأنها لم تكن موجودة في يوم من الأيام. وللأسف أيضاً تم تدمير غالبية قوارب الصيد الصومالية. وليس هذا فقط، للأسف، واحدة من أسوأ الأمور التي فعلها التسونامي على الصومال هي أنه جرف النفايات النووية المشعة من المحيط إلى اليابسة. هذه النفايات النووية التي قلنا إن إيطاليا وسويسرا تركوها في مياه الصومال، عندما جاء التسونامي سحبتها الأمواج إلى اليابسة، إلى بين الناس. لذلك بدأت تظهر أمراض غريبة على بعض الصوماليين نتيجة التعرض لإشعاعات هذه النفايات النووية. وعلى الرغم من كل هذا الحزن الذي حدث في الصومال بسبب التسونامي، إلا أن الموضوع يظل كارثة طبيعية قد تحدث في أي مكان في العالم. لكن ما لا يمكن قبوله هو أن العالم كله يوجه أنظاره نحو دول معينة ويتناسى الصومال، يتناسى الدمار الذي حل على هذا البلد. طبعاً الدول والمنظمات بررت هذا الأمر وقالت إنه لا توجد دولة في الصومال، لا توجد سلطة نتواصل معها لنقدم لها المساعدة. لكن هذا ليس مبرراً. الناس في الصومال بعد التسونامي فقدوا مزارعهم ومصدر أكلهم. لكن للأسف، الصومال لم تكن تعاني من التسونامي فقط، الصومال الآن تعاني من الحرب الأهلية التي لا تزال مشتعلة، تعاني من الاقتصاد المدمر، من المجاعة، ومن الجماعات الإرهابية التي بدأت تتوسع في الصومال مثل حركة الشباب. كل هذه العوامل دفعت الأشخاص الذين كانوا يطلقون على أنفسهم حراس السواحل إلى أن يتحولوا إلى قراصنة لكسب المال. [موسيقى] في منتصف عام 2005، وبينما كانت ناقلة الغاز الصينية تمر بالقرب من القرن الأفريقي، قامت مجموعة من القراصنة الصوماليين بمحاصرتها واحتجازها واحتجاز الطاقم الموجود فيها. طالب هؤلاء القراصنة بفدية مالية لإطلاق سراح السفينة والطاقم. الشركة المالكة للسفينة وافقت وقامت بدفع مبلغ 315000 دولار لهؤلاء القراصنة. أوه، هذه كانت ردّة فعل القراصنة الصوماليين عندما عرفوا كم يمكن أن يحقق موضوع القرصنة وطلب الفدية من أموال. وخليكم متذكرين، هذه ليست أول عملية قرصنة، لكن هذه كانت من أوائل عمليات القرصنة التي يتم فيها طلب الفدية وتنجح. ومن هذه اللحظة، لم تتوقف عمليات القرصنة في الصومال. بعد أن بدأ القراصنة الصوماليون يكسبون مبالغ ضخمة من القرصنة وطلب الفدية، تحول الموضوع إلى ف...











