Speaker A
[موسيقى] أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أعلم أن الذكر هو البحر الذي إذا رمى الله تعالى فيه عبداً أغرقه في أسراره وفتح له من خزائن الغيب ما لا يخطر على قلب بشر. فما كثر الذكر إلا علامة على اصطفاء العناية، وما دوام اللسان على ترديد اسم الله تعالى إلا دليل على أن الله تعالى يريد أن يفتح للقلب القرب منه. والعارفون بالله أجمعوا أن كثرة الذكر فيها سر عجيب في الفتح وفي التوفيق والتيسير. فإذا أراد الله سبحانه وتعالى أن يزيد درجة عبده جعله يذكره على كل أحيانه. فلا يكون ذكره عادة ولا مجرد ألفاظ، بل يصير غذاء لروحه ونوراً لبصيرته وسلمًا يصعد به في مدارج الكمال. فالفتح الذي يطلبه السالكون ليس أن تنكشف لهم الخوارق ولا أن يروا الكرامات، وإنما الفتح أن يفتح قلبك للشهود، أن ينكشف لك ستر الغفلة، وأن يفيض عليك نور الإنس. وما دام اللسان رطباً من ذكر الله تعالى جرى النور في القلب كما يجري الدم في العروق حتى تصير كل ذرة فيه تسبح بحمده. وإذا أكرمك الله سبحانه بالذكر الدائم فقد فتح لك باب التوفيق. فترى نفسك تقاد إلى الطاعة سوقاً وتصرف عن المعصية لطفاً وتوجه إلى مجالس الخير إلهاماً. كل ذلك لأن الله تعالى ذكرك كما ذكرته، وإذا ذكرك سبحانه لم يترك لنفسك طرفة عين. الفتح ليس ساعة من ساعات الزمان تحسب بالعدد، ولا هو حادثة تأتي فجأة بلا سبب. إنما هو سر إلهي متى شاء الحق ألقى نوره في قلب عبده فانتقل من ضيق نفسه إلى فسحة حضرته. الفتح يتحقق حين يصفو القلب من كدر الغفلة، وحين ينقطع العبد عن حوله وقوته ويلجأ بكليته إلى الله تعالى، وحين يكثر من الذكر حتى يصير الذكر له نفساً وحياة. فإذا إذن الله سبحانه للعبد رفع الحجاب بينه وبين عبده، وأذاقه حلاوة القرب، والبسه نور الإنس. هناك يقال قد فتح للعبد. الفتح ليس بالجهد وحده ولا بكثرة المجاهدة فقط، بل هو ثمرة توفيق سابق ونظرة رحمة من الله تعالى. غير أن الذكر والمداومة على الطاعة هما الباب الذي يطرق به السالك باب حضرة مولاه. قال تعالى: "والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا". فالمجاهدة قرع على الباب، والفتح هو فتح الباب من داخل الحضرة. ولقد قال بعض العارفين: إذا صح صدقك في الطلب وأكثرت من الذكر وأخلصت التوجه، لم يطل بك الطريق حتى يفتح لك باب القرب. فالفتح مرتبط بصدقك لا بطول زمانك. فقد يمكث عبد سنين طويلة بلا فتح، إنه معلق بنفسه، وقد يفتح لعبد في لحظة لأنه أخلص قلبه لله تعالى. وإشارة أهل الطريق أن الفتح يتحقق حين يغيب الذاكر عن ذكره في شهود المذكور، فلا يرى نفسه ذاكراً ولا يلتفت إلى عمله، بل يرى أن الله تعالى هو الذي يذكر نفسه على لسانه وقلبه. هناك يذوق حلاوة الفتح ويصير في مقام من لا حجاب بينه وبين مولاه. أما التيسير فهو ثمرة الذكر الكبرى. فما استعصى أمر على من أكثر من ذكر الله تعالى، وما تعسر رزق على من عمر قلبه بالحمد لله. الذكر يفتح أمامك الطرق، يذيب الحواجز، يلين القلوب، يجعل الدنيا كلها مسخرة لك. فإذا ذكرت كثيراً صار كل عسير يسيراً، وكل بعيد قريباً، وكل صعب سهلاً، لأنك لم تعد وحدك بل صار الله تعالى معك. ومن كان الله معه فبأي شيء يغلب؟ واعلم أن الذكر درجات، يبدأ بذكر اللسان وهو مجاهدة، ثم ينتقل إلى ذكر القلب وهو حضور، ثم يترقى إلى ذكر السر وهو أنس، حتى يصل إلى غاية الغاية وهي أن يذكرك الحق بنفسه فيغيبك عن حروف الذكر وأصواته، وتبقى في حضرة المذكور. هناك يذوب الفرق بين الذاكر والمذكور، ويصير الذكر حياة للعبد لا تنفصل عنه. فإذا تنفس كان نفسه تسبيحاً، وإذا نظر كانت نظرته عبراً، وإذا مشى كانت خطواته إلى الله تعالى. أهل الغفلة أموات، أهل الغفلة أموات ولو تحركت أبدانهم، وأهل الذكر أحياء ولو كانوا في قبورهم. ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت؟ فاجتهد يا بني أن تجعل نفسك من الأحياء بالله لا من الأموات بالغفلة، والزم الذكر حتى يغيبك عنك ويشغلك بربك. فإذا أكرمك الله تعالى بذلك فقد بلغت الغاية ودخلت حضرة القرب، ونلت أرفع الدرجات، وصرت من أهل الفتح والتوفيق والتيسير. لا تترك الذكر فإنه سر الطريق، وبه تفتح الأبواب وترفع الحجب وتشرق الأنوار. ومن داوم عليه بلغ، ومن غفل عنه ضاع. وما بين الذاكر والغافل إلا كما بين الحي والميت. الذكر الكثير الذي أمر الله تعالى به في كتابه لا ينال بالقوة الجسدية ولا بالاعتماد على الحيلة البشرية، إنما هو فيض رباني يسكبه الله تعالى على قلب من أحبه، فيجري ذكره على لسانه كما يجري النفس في صدره، فلا يمل ولا يتعب، بل يجد في الذكر راحة ولذة أعظم من لذات الدنيا كلها. وصيتي لك أن تدخل الذكر من باب المحبة لا من باب التكليف. فإذا أحببت المذكور لم تمل من ذكره، بل تجد كل تسبيحة لقاء، وكل تهليل وصال، وكل استغفار عناقاً روحياً مع الحق سبحانه. وهل يمل العاشق من ذكر محبوبه؟ به إنما الملال نصيب الغافل، أما المحب فلا يرى في الذكر إلا قرة عينه وسر حياته. ثم اعلم أن الذكر الكثير لا يكون بترديد اللسان وحده، بل أن تشغل به قلبك وسرك وحالك، فتصير قائماً بالله وقاعداً بالله ومضجعاً بالله. قال تعالى: "الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم". فإذا صار قلبك ذاكراً صار لسانك تابعاً لها، فلا تعب ولا مشقة بل لذة وسكينة. واعلم يا بني أن النفس إذا حملتها على الذكر في البداية قاومتك، فإذا صبرت عليها يوماً بعد يوم ذاقت حلاوته. فإذا ذاقت استمرت، فإذا استمرت صارت تطلب المزيد، فإذا طلبت المزيد جرت بك إلى أبواب الذكر الكثير بلا تعب. والزم ما يلقي شيخك في قلبك وداوم عليه بالصدق، ولا تنظر إلى كثرة العدد من نفسك بل انظر إلى الفضل من ربك. فإنك إن نظرت إلى نفسك مللت، وإن نظرت إلى ربك وجدت الذكر بحراً لا ساحل له. واعلم أن السر كل السر في أن تجعل ذكرك مصحوباً بالحضور، فإن ذكرت حاضراً معه أمدك بقوة لا تنفد، وأذاقك من روحه ما ينسيك مشقة النفس. فإذا جلست ساعة أو ساعات في مجلس ذكر لم تشعر بتعب، لأن الروح إذا تغذت بالذكر نسيت الجسد. الوصية الجامعة لك يا ولدي: اذكر الله محبة لا عادة، حضوراً لا غفلة، دواما لا انقطاعاً، وصبراً لا استعجالاً، وتفويضاً لا اعتماداً على النفس. فإذا عملت بذلك صار ذكرك أنفاساً جارية، وصارت حياتك كلها ذكرى، وكنت من الذين قال الله تعالى فيهم: "والذاكرين الله كثيراً والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً". اللهم اغفر لنا ذنوبنا وتب علينا، أنت التواب الرحيم. اللهم اجعلنا من عبادك الأبرار. اللهم فرج عن أمة حبيبك محمد. اللهم أصلح أمة حبيبك محمد. اللهم ارحم أمة حبيبك محمد. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك، والحمد لله رب العالمين. مين.











