Speaker A
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا وارزقنا العمل بما علمتنا. أرحب بكم إخواني وأخواتي في هذا اللقاء الذي نتدارس وإياكم سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الشهر الكريم. وقد توقفنا في درس الأمس عند ذكر غزوة أحد وكيف أن المسلمين قد انتصروا في بداية الغزوة، ثم بعد ذلك وقعت عليهم الهزيمة بتقدير من الله سبحانه وتعالى، ثم بعصيان الروم لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وكان في ذلك دروس عظيمة. بعد أن رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة النبوية والمسلمون في جراحاتهم من هذه الهزيمة، أمر أو جاءت الأخبار أن كفار قريش قد ندموا أنهم لم يتجهوا مباشرة بعد أن انتصروا في نهاية الغزوة، إن لم يتجهوا مباشرة إلى المدينة حيث إن الطريق كانت مفتوحة ولا أحد يحول بينهم وبين المدينة، ولكن الله تبارك وتعالى الذي يحول بين المرء وقلبه قد حال بينهم وبين هذا التفكير، فلذلك انصرفوا. فعندما وصلوا أو ابتعدوا قليلاً عن المدينة ندموا على هذا الأمر، كيف أنهم لم يستغلوا هذه الفرصة وجيش المسلمين قد انهزم وقد تحصن بأحد والطريق كما قلت مفتوح، فأرادوا أن يعيدوا الكرة. فجاءت الأخبار للنبي صلى الله عليه وسلم أنهم يريدون أن يعيدوا الكرة. فجاء جبريل وأخبره بل أمره بأمر الله تبارك وتعالى أن يخرج للقاء المشركين مرة ثانية في نفس اليوم، أن يخرج وأن لا يخرج إلا من خرج معه في أحد. وفعلاً استجاب المؤمنون رضي الله تعالى عنهم وخرجوا مرة أخرى على أثر المشركين ليواجهوهم حتى يصدم عن المدينة. ولقي النبي صلى الله عليه وسلم معبد ابن أبي معبد الخزاعي، وكان على كفره لكنه كان من الناصحين للنبي صلى الله عليه وسلم. فطلب منه النبي صلى الله عليه وسلم أن يذهب إلى أن يتقدمهم إلى جيش قريش وأن يبين لهم أن المسلمين قد خرجوا بعدتهم وعتادهم ويريدون أن يفتكوا بكم، نوع من الحرب الدعائية لتنهزم نفوس المشركين. وفعلاً ذهب معبد الخزاعي إلى أبي سفيان وأخبره بذلك بأن المسلمين قد أتوا بجند وبعتاد ليخز لهم. خاف أبو سفيان ومن معه، فأرادوا أن يرحلوا وأن يستمروا في سيرهم إلى مكة. وأيضاً قابل ذلك أبو سفيان بأنه أرسل بعض الرجال ليبثوا مثل هذه الحرب الدعائية لدى المسلمين بأن المشركين قد جمعوا لكم وقد أتوا بجند لا قبل لكم بها. حتى قال الله عز وجل في وصفهم الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل، فانقلبوا بنعمة وفضل لم يمسسهم سوء، واتبع رضوان الله إلى آخر الآيات. مكث النبي صلى الله عليه وسلم في حمراء الأسد، وهذه تعرف بغزوة حمراء الأسد، وهي منطقة قريبة من المدينة. ثم انصرف المسلمون، وانصرف المشركون كما ذكرنا، مكث قليلاً يعني بضع أيام أو الوقت، ثم عاد بآدراجه كما قال الله تبارك وتعالى: فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء، واتبعوا رضوان الله، والله ذو فضل عظيم. إذاً هذه يعني على سبيل الإيجاز ما وقع في غزوة حمراء الأسد، لم يقع قتال وإنما وقع ما سمعتم، وذلك بفضل الله تبارك وتعالى. عندما عاد المسلمون واستقرت الأمور في المدينة بعد غزوة أحد وبعد تلك الآلام والجراحات، أصيب المسلمون بحادثين عظيمتين حزينتين تألم لهما النبي صلى الله عليه وسلم ألماً عظيماً. بعد غزوة أحد، الحادثة الأولى ما تعرف بحادث الرجيع، والرجيع هو مكان وقعت فيه هذه الحادثة. ما قصة هذه الحادثة؟ جاء رجال من قبيلتي قارة وعضل، عضل وقارة، جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأظهروا له أنهم فيهم إسلام ويريدون منه صلى الله عليه وسلم أن يرسل معهم مجموعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم إلى قومهم ليعلموهم الدين والإسلام. وكان النبي صلى الله عليه وسلم كما تعلمون أيها الإخوة كان حريصاً على دعوة الناس، لذلك كان لا يتأخر بل كان يبادر إلى إرسال الرسل وإلى إرسال الدعاة ليبلغوا دين الله تبارك وتعالى. فأرسل معهم عشرة من خير أصحابه ومن خير قراء الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وأمر عليهم الصحابي الجليل عاصم بن ثابت. فلما كانوا بالرجيع، مكان غدر هؤلاء عضل وقارة، غدروا بغدر بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، واستصحبوا بعض القبائل القريبة ليساعدوهم في غدرهم بالصحابة رضي الله عنهم. وقلنا كانوا عشرة فقط رضي الله عنهم وأرضاهم. فلحق قريب من مئة، مئة شخص يرمي بالنبل، لحقوا الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأحاط بهم. فرقى الصحابة وصعدوا على مكان مرتفع كجبل أو نحو ذلك، تحصنوا في هذا المكان وأخذوا يعني يقاتلونهم برمي بالنبل من بعيد، ولكنهم تحصنوا في هذا الجبل. فما كان من عضل وقارة إلا أن أعطوا الأمان، قالوا للصحابة نعطيكم الأمان انزلوا. فأبى عاصم بن ثابت وهو قائد الصحابة العشرة النزول، خاف من الغدر وقاتل مع أصحابه فقتل منهم سبعة وبقي ثلاثة وهم على رأس الجبل. ثم كرر الكفار سؤالهم وقالوا نعطيكم الأمان إن نزلوا لا نقاتلكم. نزل الثلاثة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. بمجرد أن نزلوا قفز عليهم الكفار وأخذوهم أوثق بالحبال، غدروا بهم. فقال أحدهم، فقال أحد الثلاثة هذا أول الغدر. فأبى أن يوثق وأخذ يقاتلهم حتى قتلوه، وأخذوا الاثنين وقد قيدوا بالحبال، أخذوهم إلى مكة وهما خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة رضي الله عنهما. أخذوهم هؤلاء عضل وقارة إلى مكة وهم يعلمون طبعا سبب أخذهم إلى مكة لأنهم يعلمون أن أهل مكة يريدون أن يفوزوا أو أن يظفروا بأي رجل من المسلمين لينزلوا به انتقامهم وانتصارهم أو انتقامهم لانتصار المسلمين في بدر. ففعلاً ذهب هؤلاء بهذين الصحابين خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة رضي الله عنهما، وبيع لكفار قريش. كان خبيب بن عدي قد قتل الحارث بن عامر بن نوفل، قتله في بدر، فاشتراه أو اشترته ابنته بنت الحارث، اشترت خبيب لتقتله بأبيها. ثم سحبوه إلى التنعيم، والتنعيم خارج الحرم لأنهم ما أرادوا أن يفعلوا هذه الجريمة في الحرم، إنهم أيضاً كانوا يعظمون الحرم. فأخذوه إلى التنعيم خارج الحرم إلى الحِل، ثم أوثق ليقتلوه. وقبل ذلك طلب منهم أن يسمحوا له أن يصلي ركعتين، فسمحوا له. فسمحوا له أن يصلي ركعتين، حتى قال أهل العلم هو أول من سن صلاة ركعتين قبل القتل، خبيب بن عدي رضي الله عنه. فصلى ركعتين، ثم قال له أبو سفيان: أيسرك أن محمداً عندنا نضرب عنقه؟ وأنك في أهلك يحاول أن يفتن في دينه؟ فقال خبيب رضي الله عنه وأرضاه: قال والله ما يسرني أني في أهلي، وأن محمداً في مكانه الذي هو فيه، تصيبه شوكة تؤذيه شوكة لا أقبل وأنا في أهلي مرتاح، فكيف أقبل بأن يأتي مكان الآن لتضرب عنقه؟ هذا مستحيل أن أقبله. رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وتمثل بهذه الأبيات المشهورة التي أصبحت يعني طار بها الناس كل مطار، ولست أبالي حين أقتل مسلماً على أي جنب كان، في الله مصرعي، وذلك في ذات الله، وأن يشاء يبارك على أوصال شلو ممزق. هذه أبيات مشهورة قالها رضي الله عنه وأرضاه، يعني معنى الكلام هو لا أبالي أقتل على بطني، أقتل على ظهري، أقتل شنقاً، أقتل رميًا، أقتل خنقاً، لا أبالي متى كان قتلي في سبيل الله تبارك وتعالى، لأنه يعلم أن ما عند الله خير وأبقى. قتلوه رضي الله عنه وأرضاه، قتله عقبة بن الحارث بدم عامر أبيه، كما قلنا لأنه هو الذي اشتراه أو اشترته أخته فقتله بدم أبيه. وكذلك زيد بن الدثنة أيضاً قتل أميه بن محرث يوم بدر، أميه والد صفوان بن أميه، فاشتراه صفوان بن أميه وقتله بأبيه رضي الله عن زيد ورضي الله عن خبيب وهما إلى جنات النعيم بإذن الله تبارك وتعالى. أيضاً بعثت قريش، لم تكتف بقتل هذين الرجلين المؤمنين المغدورين، أرسلت من جنودهم من يأتيهم بجثة عاصم ابن ثابت الذي كان قائداً لهؤلاء العشرة. قال اذهبوا إلى الرجيع وأتوا بجثته ولعلهم يريدون أن يمثلوا بها كما مثلوا بجثث المسلمين بعد قتل شهداء أحد. أتوا إلى عاصم رضي الله عنه وأرضاه، كلما اقتربوا منه وإذا بالزبير كالنحل كبير قد أحاط بجثته، فما استطاع الكفار أن يمسوها فتركوها، وذلك لأن عاصم رضي الله تعالى عنه وأرضاه قد عاهد الله ألا يمس جسد مشرك ولا يمسه مشرك، فوفى بهذا العهد فصدق الله فصدقه الله تبارك وتعالى. وما استطاع المشركون أن يأخذوا جثته ليمثلوا بها، فحفظه الله تبارك وتعالى ميتاً كما حفظه حياً. إذاً هذه الحادثة الأولى. إلى الآن ما أتت أخبار النبي، يعني أخبار هذه الحادثة، حادثة الرجيع ما وصلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وقعت حادثة أخرى في نفس الوقت وشبيهة جداً بقصة الرجيع، وهي ما تعرف بقصة بئر معونة أو حادثة بئر معونة. أيضاً جاء أبو البراء عامر ابن مالك الذي كان يلقب بملاعب الأسنة، قدم على النبي صلى الله عليه وسلم المدينة. فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام. ما أسلم أبو البراء عامر، لكنه أيضاً لم يبعد، يعني كان متردداً. فطمع النبي صلى الله عليه وسلم في إسلامه، خصوصاً أنه يعني سيد من سادات قومه. فطمع في إسلامه، فقال له أبو البراء: قال لماذا لا ترسل معنا مجموعة من الصحابة من قرائهم ومن علمائهم ومن دعاةهم إلى قومنا في بلاد نجد ليبينوا لنا الإسلام ويقرأوا علينا القرآن عل أن يهدي الله تبارك وتعالى وعلنا أن نقبل الدخول في هذا الدين؟ ولا تخف على أصحابك فإني جار لهم، جار لهم أنا أحميهم وهم في جواري. كما قلنا كان صلى الله عليه وسلم حريصاً على هداية الناس، فبادر صلى الله عليه وسلم وأرسل في هذه المرة سبعين من قراء الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. أرسلهم مع عامر بن مالك أبي البراء. في طريقهم نزلوا في مكان فيه بئر يقال له بئر معونة. بئر معونة نزلوا ليرتاحوا، ثم ذهب أحد الصحابة السبعين القراء وهو حرام بن ملحان رضي الله عنه. ذهب بكتابه إلى عامر ابن الطفيل زعيم لأحد القبائل القريبة من بئر معونة. فما كان من هذا الخبيث عامر بن طفيل أنه لم ينظر في الكتاب، ما نظر فيه أصلاً ولا قرأه، إنما أمر مباشرة رجلاً من اتباعه.