Speaker A
الحسنى فهو الله، فهو الله الملك. في اللغة، هو من يملك القدرة على تصريف الأمور، الأمر الناهي في رعيته، هو صاحب الأمر والسلطة والقدرة على التصرف في شؤون البلاد والعباد. وعرفه الإمام الغزالي فقال: هو الذي يستغني في ذاته وصفاته عن كل موجود ويحتاج إليه كل موجود، بل لا يستغني عنه شيء في شيء، لا في ذاته ولا في صفاته. فكل شيء سواه هو له مملوك في ذاته وصفاته، وهو مستغن عن كل شيء. فهذا هو الملك مطلقاً. وقال أهل العلم إن ملك العبد ملك مجازي، ليس على وجه الحقيقة، إنما هو مجرد قدرة على التصرف، أما المالك الحقيقي فهو الله سبحانه. ولا يتحقق المعنى الصحيح لهذا الاسم عند الإنسان حتى يسقط ياء الملكية من قلبه. فعندما يقول داري وأرضي ومالي وعلمي وأهلي يعلم أنه ما هو إلا مسؤول عنها متصرف فيها، وإنما مالكها الحقيقي هو الله سبحانه وتعالى. وقال الغزالي: العبد لا يتصور أن يكون ملكاً مطلقاً، فإنه لا يستغني عن كل شيء وهو دائماً فقير إلى الله تعالى وإن استغنى عن من سواه. وقال إن العبد له مملكته الخاصة به: قلبه، وقالبه، وجنده شهوته، وغضبه، وهواه، ولسانه، وعيناه، ويداه، وسائر أعضائه. فإذا ملكها ولم تملكه فقد نال درجة الملك. أذكر حكمة أحبها كان يقولها حكيم لابنه ينهاه عن التعلق، فيقول قول: استغنِ يا بني، فمن ترك ملكاً وأكثر حاجتنا إلى التفكر في هذا الاسم اليوم عند اضطراب بعض الأحداث السياسية. وعندما نرى دولاً تعلو على دول أو تظلم دولاً أدنى منها، يتوهم الناس أحياناً أن أمر هذه البلاد أو أمر الأرض ومن فيها مرهون بيد الملوك، فهم من يتصرفون ويملكون سيادة القرار ويتحكمون مطلقاً في حياة الناس. ونعم نراهم في مدة من الزمن يفعلون ما يشاءون. وكانت الموعظة قديماً تؤدبنا ونحن صغار وتنهانا عن فعل السوء وتخبرنا أن عمل الشر يدور ويعود إلينا، وكما تدين تدان. بينما نرى بعض من يملك ويطغى ولا يرتد عليه شر عمله، فيتوهم البعض أنه مالك متصرف بالإطلاق متحكم بالدنيا وأسبابها، كان لا ملك فوقه ولا مدبر. مرت معي جملة في فيلم أجنبي لممثل مشهور يأخذها بعض المراهقين كاقتباس، يقول فيها الممثل لصديقه في المشهد: ألا ترى أن كثرة الشر في العالم تفيد أن الله خلق الكون ثم تخلى عنه؟ والعياذ بالله، لا يغفل الملك الحق عن ملكه لحظة الخطأ في تصور الإنسان المحدود وفهمه الخاطئ للوجود الذي يريده جنة بلا شرور. الشيطان سول لهم وأمل لهم، وبعضهم قد يفتن في دينه فيقول: أين تلك الحكمة القديمة؟ لماذا لا ينتقم الله من فلان؟ لماذا لا زال متحكماً في رقاب الناس؟