Speaker A
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من بعث رحمه للعالمين، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، فإن كل علم من العلوم يحتاج أهله إلى مصطلحات للدلالة على بعض المسائل والأمور التي تختص بذلك العلم. وأقدم العلوم في هذه الشريعة الإسلامية هو علم الحديث، فهو أول علم دُوّن، وهو الذي انفصلت منه العلوم الأخرى. فقد كان علم التفسير وعلم القراءات وعلم الفقه وغير ذلك من العلوم جزءًا من علم الحديث، ثم جاء بعده الإمام الخطيب البغدادي رحمه الله عليه، فألّف عددًا من الكتب في المصطلح، منها كتاب الجامع وكتاب الكفاية. وكتاب الجامع هو لآداب الراوي والواعي، آداب المحدث والطالب، وكتاب الكفاية هو في المصطلحات. ثم جاء القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي، فألف كتابه الإلمام في آداب الرواية والسماع. ثم جاء ابن الصلاح فجمع بين كتابي الخطيب البغدادي وكتاب القاضي عياض في مقدمته التي سماها المقدمة في علم الحديث، وألف عددًا من الأئمة كتبًا في هذا الشأن بعد ذلك. فألف النووي رحمه الله كتاب التقريب لمصطلح الحديث، وألف الإمام أبو الفداء إسماعيل بن كثير كتاب اختصار لكتاب ابن الصلاح سماه اختصار علوم الحديث، ونظم الحافظ العراقي كتاب ابن الصلاح بالفيته التي تسمى بالتبصرة والتذكرة في مصطلح الحديث. واليوم أهم الكتب المؤلفة في المصطلح هي تقريبًا ثلاثة كتب عليها الاعتماد في هذا العلم. الكتاب الأول تدريب الراوي بشرح تقريب النووي للإمام عبد الرحمن بن أبي بكر الأسيوطي، والكتاب الثاني كتاب شرح السخاوي على ألفية العراقي وقد سماه فتح المغيث بشرح ألفية الحديث، والكتاب الثالث كتاب لأحد علماء الشام المتأخرين وهو الإمام جمال الدين القاسمي وقد سماه قواعد التحديث. ومع هذه الكتب الثلاثة كتاب مهم وهو كتاب الشيخ طاهر الجزائري في المصطلح، فهذه الكتب الأربعة عليها مدار مصطلح الحديث اليوم. والكتاب الذي بين أيديكم هو كتاب الحافظ أبي فداء إسماعيل بن كثير الدمشقي الشافعي المحدث المفسر، وهو اختصار لكتاب الصلاح، وقد حققه وشرح بعض المسائل فيه الشيخ أبو الأشبال أحمد شاكر رحمه الله عليه. وعادة الشيخ أحمد شاكر رحمه الله عليه أنه يبدأ كثيرًا من المشاريع وليس لديه الوقت لإنجازها جميعًا، فقد بدأ تحقيق المسند للإمام أحمد وأخرج منه 22 جزءًا وتوفي ولم يبلغ النصف فيه، وكذلك حقق جزئين من تفسير الطبري وتوفي ولم يكمله، وحقق جزئين من سنن الترمذي وتوفي ولم يكمله، وحقق جزءًا لا بأس به من المحلى لابن حزم وتوفي ولم يكمله، وأكمل تحقيق الرسالة للإمام الشافعي في أصول الفقه، وأكمل تحقيق هذا الكتاب الذي بين أيدينا. وكان من المحققين المتأخرين من المحدثين من أهل مصر، وقد اهتم كثيرًا بعلم التخريج، علم تخريج الأحاديث، واعتنى عناية فائقة بالمقارنات بين الكتب، وستجدون ذلك واضحًا في هذا الكتاب عندما وصل إلى أعداد ما رواه كل صحابي. فإن أهل الحديث جميعًا وأهل المصطلح يعتمدون على إحصاء ذكره ابن جوزيه رحمه الله، وهذا الإحصاء إنما هو إحصاء لما رواه كل واحد من المكثرين أو كل واحد من الصحابة عمومًا في كتاب مسند بقي بن مخلد، لكن كتاب مسند بقي مفقود فقد في احتلال الإسبان للأندلس، فقد رموا الكتب في الأنهار وجعلوا منها القناطر يعبرون عليها، قاتلهم الله. ففقد هذا الكتاب مع أنه من دواوين الإسلام الكبرى. والشيخ أحمد شاكر رحمه الله عليه قارن الأعداد التي ذكرها ابن الجوزي بأعداد ما أخرجه أحمد في المسند من أحاديث هؤلاء، فوجدها متقاربة في رواية أكثر المكثرين، وإلا فرقًا كبيرًا في رواية بين ما نسبه ابن الجوزي لأبي هريرة وما هو له في مسند الإمام أحمد، أما ما سوى ذلك فكله متقارب كما سترون إن شاء الله، وهذا يدل على مقارنة دقيقة للشيخ أحمد شاكر. كذلك تجدون هذه المقارنة لديه في تحقيقه لسنن الترمذي في قضية الأهلة فيما يمكثه الهلال في الليلة الأولى، وقد حقق ذلك وهو ستة أسابيع ساعة، وقد راقبه مدة تزيد على 40 سنة وله تحقيقات باهرة في كثير من المسائل. قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى: الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، وهذا افتتاح بهذه الآيات الثلاث التي افتتح الله بها فاتحة كتابه. فقد أذن الله على نفسه بهذه الآيات الثلاث وهي جامعة للتوحيد. فـ "رب العالمين" هذا توحيد الربوبية، و"الرحمن الرحيم" هذا توحيد الأسماء والصفات، و"مالك يوم الدين" هذا ذكر للجزاء وهو مستلزم للعبادة، فهو مقتض لتوحيد العبادة، وهو الذي يسمى بتوحيد الألوهية، وهي أيضًا مثبّتة للبعث بعد الموت والليوم الآخر في يوم الدين. والفاتحة هي خلاصة القرآن، فكل ما اشتمل عليه القرآن من العلوم فهو ملخص في هذه الفاتحة. فقد رأيتم في هذه الآيات الثلاث ما يتعلق بالشهادة أن لا إله إلا الله حين قال الحمد لله، وتوحيد الربوبية في قوله رب العالمين، وتوحيد الأسماء والصفات في قوله الرحمن الرحيم، وتوحيد الألوهية في قوله مالك يوم الدين. وكذلك الإيمان بالبعث بعد الموت ويوم القيامة وما اشتمل عليه، وكذلك الإيمان ببعث الرسل جميعًا وبشهادة أن محمدًا رسول الله، لأننا لا يمكن أن نعرف يوم الدين إلا عن طريق بعثة الرسل. ثم بعد ذلك جاء "إياك نعبد" وهذا مستلزم لكل العبادات وما يتعلق بها من الفقه، وجاء "إياك نستعين" وهذا ملتزم مستلزم لكل المعاملات وما يتعلق بها من الفقه. "اهدنا الصراط المستقيم" هذا ملتزم لما يتعلق بهذه الشريعة من أخلاقها وتفاصيلها. "صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين" هذا مستلزم لذكر الجنة والنار، ومستلم لذكر أهل الهداية وأهل الضلال وبيان لقصص السابقين، فكله داخل ما جاء من قصص اليهود والنصارى، كله متضمن في قوله "صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين". صراط الذين أنعمت عليهم ملتزم لكل قصص الأنبياء، غير المغضوب عليهم وهم النصارى، والضالون هم اليهود، والضالون هم النصارى، فاقتضى ذلك كل ما يتعلق بذكرهم في القرآن. فجاءت الفاتحة ملخصًا لكل علوم القرآن. ولهذا افتتح ابن كثير رحمه الله كتابه بهذا الثناء على الله سبحانه وتعالى، وسلام على عباده الذين اصطفى، والسلام معناه الأمان، والمقصود بذلك تسليم الله على عباده، فإن الله سبحانه وتعالى سلم على أنبيائه كما تقرأون في سورة الأحزاب: "إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا"، وكما تقرأون في غيرها من سور القرآن سلامًا على نوح في العالمين إلى آخره من سلام الله على أنبيائه وأصفيائه. فلذلك قال: "وسلام على عباده الذين اصطفى". وهذا أيضًا لفظ آية أخرى في كتاب الله وهي قول الله تعالى: "وسلام على عباده الذين اصطفى". الله خير عما تعمل. أما "واصطفى" فافتعل من الصفوة وهي الاختيار، ومعنى ذلك أن هؤلاء الأنبياء هم الذين صفاهم الله من الكدر وخلصهم من كل نقص، فهم صفوته من خلقه. وأصل "اصطفى" اصطفي، وفيها نوعان من أنواع الإعلال. النوع الأول الإعلال بين التاء والطاء، وهو في الافتعال دائمًا، فتاء الافتعال إذا كانت بعد حرف من الحروف المطبقة فإنها تقلب طاء، وهذه قاعدة صرفية مختصة بالافتعال كما قال ابن مالك: "طنت افتعال رد أثر مطبقي في الدان، وازدد، والذكر دالا بقي". والإعلال الثاني في آخرها في الحرف المعتل في آخرها وهو الياء تقلب ألفًا لأن قبلها فتحة، فلذلك يقال اصطفى. أما بعد، فإن علم الحديث النبوي على قائله أفضل الصلاة والسلام قد اعتنى بالكلام فيه جماعة من الحفاظ قديمًا وحديثًا. فإن علم الحديث والمقصود به علم الحديث رواية، فعلم الحديث منه ما هو علم دراية، ومنه ما هو علم رواية. فالحديث يبحث فيه من جهتين: جهة الورود، وجهة الدلالة. أما جهة الدلالة فهي مقصود رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الكلام، وهذا يدرس في شروح الحديث. وعلم الحديث رواية يعني: هل ثبت أن هذا من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وطرق تدوينه وجمعه؟ فهذا الذي يسمى بعلم الحديث رواية. والواقع أن علم الحديث اليوم تفرعت منه ثمانية علوم. فالعلم الأول هو علم متون الحديث، أي علم المؤلفات في الحديث كالصحيحين والسنن والموطأ والمسانيد والمعاجم والأجزاء. العلم الثاني علم شروح الحديث، علم شرح الحديث كشروح صحيح البخاري وشروح صحيح مسلم وشروح الموطأ إلى آخره. والعلم الثالث علم مصطلح الحديث وهو الذي بين أيدينا. والعلم الرابع علم التخريج ودراسة الأسانيد. والعلم الخامس علم العلل، ما في الحديث من التضعيف والتصحيح. والعلم السادس علم أدلة الأحكام من الحديث. والعلم السابع علم تاريخ تدوين السنة. والعلم الثامن علم الرجال، أي علم نقلة الحديث ومراتبهم جرحهم وتعديلهم. فهذه ثمانية علوم هي التي يطلق عليها اليوم علوم الحديث، ومقصوده هو هنا علم واحد منها وهو علم المصطلح فقط. والمصطلح مفتعل للمصدر من "اصطلح القوم" إذا تصالحوا، والتصالح معناه التوافق. ف أهل كل علم يتوافقون على ألفاظ تدل على معانٍ مخصوصة لديهم، فلذلك تسمى مصطلحًا لديهم. والحديث في اللغة ضد القديم، ولهذا قال الله تعالى: "كالعرجون القديم" في مقابل ما هو حديثه. ويطلق هذا اللفظ أيضًا على الكلام سواء كان مفيدًا أو غير مفيد. فمن إطلاقه على المفيد قول الله تعالى: "فبأي حديث بعده يؤمنون" قوله تعالى: "ومن أصدق من الله حديثًا". ومن إطلاقه على غير المفيد قول الشاعر: "وحديثها السحر الحلال لو أنه لم يجني قتل المسلم المتحرز إن طال لم يملل وإن هي أوجزت". ود المحدث أنها لم تجزِ. وقد أطلقه الناس على ما أُثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما أُثر أي نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحق به ما أُثر عن أصحابه والتابعين لهم من المشتغلين بهذا العلم، فسمي ذلك كله بعلم الحديث. فهو يطلق على المرفوع، أي ما نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والموقوف، أي ما نسب إلى أصحابه الكرام، والمقطوع، أي ما نسب إلى التابعين لهم بإحسان.









![[모티스트 홍주형] EP 11. 탈모진행 예측을 기반으로 한 디자인 설계 — Transcript](https://i.ytimg.com/vi/KJwOTvJDEpU/maxresdefault.jpg)

