Speaker A
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فإن الله سبحانه وتعالى خلق الخليقة وشدهم ودلهم، وجعل الله عز وجل وسائلاً للإرشاد في هذه الأرض، منهم ما دليله وإرشاده قائم في ذاته مع خلقته، ومنهم من كرمه الله سبحانه وتعالى وزاده قوة في ذلك. كما أكرم الله عز وجل الإنسان، أكرم بني آدم بالعقل، وجعل لهم من الإدراك ما يستوعبون فيه نعم الله عز وجل وآياته. وكذلك أيضاً يكرم الله سبحانه وتعالى الخلق بالوحي. ولهذا أرسل الله عز وجل الرسل وأنزل الكتب وأظهر البينات والحجج، وجعل الله عز وجل أيضاً مع الأنبياء من المعجزات ما يظهر بذلك الحق الذي يرشد الإنسان إلى ربه سبحانه وتعالى. ولهذا جعل الله عز وجل ما في الكون من آيات ومن دلالات وبراهين تدل على الخالق سبحانه وتعالى وترشد إليه، سواء استدل الإنسان بذلك بنظره وعقله المجرد، أم دل على ذلك النص الظاهر بكلام الله سبحانه وتعالى. وكل ذلك يحتاج إلى تأمل وطول نظر، وكلما أمعن الإنسان وأدام النظر في ذلك فإنه يخرج بنتائج تختلف عن غيرها. ولهذا أمر الله سبحانه وتعالى بالنظر إلى السماء ليس كره ولا كرتين، حتى يصل الإنسان في ذلك إلى معرفة الحق من آيات الله ودلائله وبراهينه التي تدل الإنسان إليه. إن معرفة الله سبحانه وتعالى أمر واجب على الخليقة، وكذلك أيضاً معرفة آيات الله عز وجل، ومعرفة مخلوقاته سبيل موصل إلى معرفة الله. ولهذا فإن الإنسان لا يعرف قيمة نفسه إلا بمعرفة خالقه، ولا يعرف قيمة المخلوقات إلا وقد عرف الخالق. وكلما ضعف الإنسان في معرفة الله سبحانه وتعالى فهذا علامة على ضعفه في تأمل آيات الله عز وجل ومخلوقاته. ولهذا كثيراً في القرآن يأمر الله جل وعلا عباده أن ينظروا وأن يتفكروا وأن يعتبروا وأن يستبشروا، وغير ذلك من المعاني والمترادفات في كلام الله سبحانه وتعالى التي تمر الإنسان أن يتأمل ويتفكر ويستبشر في آيات الله عز وجل ومخلوقاته، سواء ما قرب عنده أو ما كان بعيداً. ولهذا إنما يؤتى الناس حينما يعصون الله عز وجل بسبب عدم معرفتهم بحق الله عز وجل وقدره، ويظل في جانب حق الله جل وعلا ويفرط ويضيع إذا لم يعرف مقدار حق الله جل وعلا على العبد. ولهذا إنما يضل المشركون في هذا البابون غير الله لاختلال توازن المعرفة بين الخالق والمخلوق. فإذا انشغلت أذهانهم بمعرفة صنم أو وثن عظموه في أنفسهم حتى سلبوا حق الله وجعلوه فيه. إذاً فهذا اختلال من جهة معرفة حقائق الأشياء. ولهذا بالعقل وبالشرع فإن المعرفة تكون على نوعين: النوع الأول معرفة الشيء بذاته، أن تعرفه بذاته منفرداً لا عن غيره. النوع الثاني معرفة الشيء مقارنة بغيره، فإنك ربما تستعظم شيئاً، ولكن إذا عرفت غيره احتقرته، لماذا؟ لأنك ما عرفت إلا هو. ولهذا الله سبحانه وتعالى يجعل الإنسان يتحول من رأي إلى رأي، وذلك لتنوع المعرفة التي يؤتى بها. يضل الناس في حق الله فيعصون به ويشركون مع الله عز وجل غيره لأنهم جهلوا حق الله سبحانه وتعالى. في هذه الكلمة التي نتكلم فيها على شيء من معرفة حق الله سبحانه وتعالى، وهذا يظهر في قول النبي صلى الله عليه وسلم لذلك الأعرابي الذي جاء إليه فقال: أتدري ما الله؟ جاء في السنن من حديث محمد بن جبير عن أبيه عن جده أن أعرابياً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال وضاعت العيال وانقطعت السبل، فاستسق لنا، فأنا أستشفع بك على الله. ونظر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ويحك، أتدري ما الله؟ فأخذ يسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تغير وجهه، وهو ينزه الله عز وجل مما قاله ذلك الأعرابي. النبي صلى الله عليه وسلم حينما جاءه ذلك الأعرابي وهو يريد أن يستغيث به على الله، وأن يستغيث بالله عليه، أي يريد أن يجعل الله عز وجل وسيلة توصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لينفع أو يضر، وهذا عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم لكنه ما عرف الله. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام ما قال له: ويحك أتدري من أنا؟ وإنما قال: ويحك أتدري ما الله؟ يعني جهلت قيمة الله فضللت في حقه وأعطيت حق الله جل وعلا لغيره. ولهذا أراد من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزل الغيث، بل أراد ما هو أشد من ذلك أن يجعل الله عز وجل شفيعاً عند رسوله حتى ينزل. هذا الاختلال في أمر المعرفة هو سبب ضلال البشرية، هو سبب ضلال البشرية في حق الله سبحانه وتعالى، أنهم عرفوا حقائق الأشياء وجهلوا غيره. ونفس الإنسان تملاها المعرفة، فإذا عرف حيواناً ولم يعرف غيره تعلق به، وإذا عرف مخلوقاً وكرم تعلق به إذا لم يعرف من هو أكرم منه، وإذا عرف قوياً ولم يعرف من هو أقوى منه تعلق به وظن أنه أكرم الناس. ولهذا الله سبحانه وتعالى يعرف نفسه إلى عباده بذكر أسمائه وصفاته وذكر حقه على عباده اللازم لذلك، ويبين الله عز وجل أيضاً حقه على عباده بتعريف عباده لأنفسهم وبيان أيضاً ضعفهم وقصورهم. ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جاءه ذلك الأعرابي وأشفع به على الله وأشفع بالله عليه، وقال له: ويحك أتدري ما الله؟ وأخذ يسبح النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: إن الله فوق سماواته، إن الله فوق عرشه على سماوات وعرشه على سماواته، ثم وضع قال النبي صلى الله عليه وسلم بيده هكذا وفرج بين أصابعه كالقبلة، ظم من الإنسان. وهذا ما يستعمله النبي صلى الله عليه وسلم بالتعريف بالله وبيان منزلته عند الناس، وذلك ببيان مخلوقاته وعظمها. وقد جاء في ذلك أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تدل على هذا المعنى أن بيان حق الله عز وجل يتضح بمخلوقات الله عز وجل التي هي أعظم من الإنسان. وذلك أن الإنسان بحاجة إلى كسر نفسه وكسر المعظم عنده، وكسر نفسه ببيان جهله، وهذا ما يأمر الله عز وجل الإنسان به، ما يأمر الله عز وجل الإنسان به أن يتفكر وأن يتدبر بحاله ومنزلته وقصوره وضعفه، وفي أنفسكم أفلا تبصرون؟ وكذلك بيان أن ما يملك من حواس تخدعه ولا تدله إلى الحق دوماً، وإنما يكبو ويتعثر ويسقط، وكذلك أيضاً يخدع نفسه ويخطئ عقله كثيراً ويرديه. ولهذا جعل الله عز وجل في الإنسان نفسه وهواه تغالب وتصارع حتى توقعه فيما يخالف أمر الله، فيما يخالف أمر الله سبحانه وتعالى. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يدل كثيراً في ذكر بعض الأحوال من جهة معرفة الله سبحانه وتعالى بمعرفة مخلوقاته وتعظيمها بالنسبة لضعف الإنسان وقصوره. ولهذا الله عز وجل يقول لخلق السماوات والأرض: يعني إن الإنسان إذا كان يعظم نفسه عند نفسه ويرى أنه هو المعظم والسيد والأمر والناهي، ليعلم أن خلق السماوات والأرض أعظم وأكبر منه، ولكن جهله بذلك لا يعني أنه أعظم من غيره. وقد جاء في المسند وغيره من حديث عباس، وجاء أيضاً من حديث أبي هريرة عليه رضوان الله، وجاء أيضاً من حديث عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله تعالى موقوفاً، أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى سحابة تمطر، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ما هذه؟ والنبي عليه الصلاة والسلام يعلم ويعلم أنهم يعلمون ما هذه. فقالوا: السحاب. قال: والمزن؟ قال: والمزن. قال: والعنان؟ قالوا: والعنان. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أتدرون كم بين السماء الدنيا وبين الأرض؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ما بين السماء الدنيا والأرض مسيرة 500 عام. وهل تعلمون ما بين السماء الدنيا إلى السماء التي تليها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: مسيرة 500 عام. قال: وهل تعلمون ما بين أدنى السماء وأعلى السماء، وسمك سمك سمك كل سماء؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: مسيرة 500 عام. والنبي صلى الله عليه وسلم حينما أراد وبدأ هذا من تعريف المسافة التي تكون بين السماء وبين الأرض والتي تكون بين السماء والتي تليها بدأ بها من سحابة تمطر، وأراد أن يعرف بهذا لأن ينتقل فيما وراءه حتى بلغ النبي عليه الصلاة والسلام السماء السابعة. قال: وتعلمون ما فوق السماء؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: العرش، وما بين أدناه وأعلاه مسيرة 500 عام. وهذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يبين ضعف الإنسان ببيان قياس زمنه من جهة مسيرة الإنسان وذهابه وضربه بأسراره، أن يبين أن من خلق الله سبحانه وتعالى ما خلق الله عز وجل من المسافات الشاسعة ما يجب على الإنسان أن يعلمه، ومعرفته في ذلك ترجع إلى الإنسان بماذا؟ ترجع إلى الإنسان باستعظام ومعرفة قيمة الخالق. ولهذا إذا ظل الإنسان في معرفة الموازين والقوى فإنه يختل حينئذ من جهة التوكل والمحبة والخوف والرجاء، وما ينتج عن ذلك من بذل العبودية لله سبحانه وتعالى بعبادة الجوارح، السجود لغير الله، سؤال غير الله، التضرع لغير الله، كحال ذلك الأعرابي الذي جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأستشفع بالله عليه لأنه عرف شيئاً وجهل أشياء، فكبر بالله سبحانه وتعالى. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام كان يعرف الله عز وجل للناس بتعريف مخلوقات الله عز وجل إليه، وذلك أنهم يعلمون أن كل ما يرونه هو من خلق الله، فاعرف خلق الله غيرك تعلم ضعفك وتعلم مقدار الله سبحانه وتعالى. ولهذا ما وقع الناس في معصية، وما وقع الناس في كفر، وفي شرك أو بدعة فيما يخالف أمر الله سبحانه وتعالى، أو غلب الهوى والإيمان، ما كان ذلك ليكون إلا بسبب ضعف الإنسان بمعرفة الله سبحانه وتعالى. ولهذا نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم يعرف الله للناس، والله جل وعلا في كتابه يعرف نفسه للناس بوسائل متعددة، منها تعريف الله عز وجل بنفسه لعباده بأسمائه، وذلك بذكر أسماء الله عز وجل التي تدل على قدرته وكماله وعزته وضعف عباده. ولهذا الله عز وجل يذكر أسمائه: الأول والآخر، الظاهر والباطن، الرزاق، العظيم، الحليم، اللطيف، القوي، الجبار، وغير ذلك من أسماء الله سبحانه وتعالى. يعرف الله عز وجل ذلك لعباده حتى ينظر في تصرف الكون، فيكل الأمر إلى الله سبحانه وتعالى، ويعظمه حق تعظيمه، وبمقدار جهل الإنسان بالله يعصي.











