Speaker A
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد سيد الأولين والآخرين، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستنى بسنته إلى يوم الدين. يقول الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى: النوع الرابع والعشرون كيفيّة سماع الحديث وتحمله وضبطه. هذا ليس نوعًا من أنواع الحديث، وإنما هو نوع من أنواع هذا العلم كما ذكرنا من قبل، والمقصود به أدب الشيخ والطالب معًا. وقد ألف في هذا الأدب عدد من الكتب، وأولها تقريبًا هو كتاب الخطيب البغدادي الجامع لآداب المحدث والسامع. ففيه آداب، ومعنى الأدب هنا ليس هو المندوبات فقط، بل بعضها تصل إلى درجة الوجوب، لأن مخالفتها تؤدي إلى عدم الاحتياط للسنة، وبعضها يكون مندوبًا. وهذه عادة الفقهاء يذكرون في آداب الاستطابة آداب دخول الخلاء، يقولون آداب دخول الخلاء. فيذكرون منها ما هو واجب وهو ثلاثة أمور، وما سواها 17 أمرًا كلها مندوبات. فلذلك إذا أطلقنا الأدب كما ألف مثلاً ابن الصلاح كتاب أدب المفتي والمستفتي، وألف ابن حامد الحنبلي كذلك أدب المفتي والمستفتي، وعدد من العلماء في الآداب كآداب القراء للأجري، وما ذكره النووي كذلك في التبيان في آداب حملة القرآن، فالآداب لا يقصدون بها مجرد الآداب الشرعية التي هي مندوبة فقط. وهذا المصطلح قديم لأهل الحديث، فالبخاري رحمه الله ألف كتابه الأدب المفرد، وهو اصطلاح عن الأدب الذي هو في الصحيح. كتاب الأدب كتاب من كتب صحيح البخاري، لكن كتاب الأدب المفرد الذي هو خارج الصحيح فيه أبواب شتّى من أبواب العلم، وأغلبها يتعلق بالآداب بمعناها الذي ذكرناه، بالآداب الواجبة، لكن فيها ما هو على سبيل الوجوب، وفيها أمور على سبيل التحريم، وفيها أمور على سبيل الكراهة. وكذلك كتاب البيهقي الذي سماه الآداب، فإنه أيضًا ألفه على هذه الطريقة، وكذلك بعض الفقهاء ألفوا كتبًا بهذا المعنى، فمثلاً ابن مهلح الحنبلي ألف كتابًا سماه الآداب الشرعية، وذكر فيها آداب طلب العلم، آداب طلب الحديث، آداب السفر، آداب الأكل، آداب الشرب، آداب النوم إلى آخره. وعدد من المؤلفين من المالكية يؤلفون كتاب الجامع اقتداء بمالك في الموطأ، فإنه في الكتاب الجامعي أدرج فيه بعض الآداب وبعض العلوم التي لا تندرج تحت باب من الأبواب التي سبقت. فمنهم من يجعل ذلك في نهاية كتابه، كالذين ألفوه في المختصرات، فيختمون الكتب بعد الكلام على الفرائض والتريكات، وهي آخر ما يتكلمون عليه، يأتون بكتاب يتعلق بالآداب. وهذا المنهج سلكه ابن أبي زيد القيرواني في الرسالة، فإنه افتتحها أولًا بالعقيدة، وفي الوسط الفقه، وهو الذي ألف له الكتاب، وفي الأخير نبذ من الأصول ثم الآداب. وهي الطريقة التي سلكها ابن جزي الكلبي في كتابه القوانين الفقهية، فافتتح الكتاب أولًا بالعقائد ثم بالفقه على المذاهب الأربعة، ثم بعد ذلك بنبذ من السيرة النبوية، ثم بعد ذلك الآداب الشرعية. وقد ألف ابن أبي زيد القيرواني أيضًا في كتابه النوادر والزيادات كتاب الجامع، وقد طبع وحده قبل أن يطبع كتاب النوادر والزيادات، وهو في الآداب الشرعية من هذا على هذا النحو. وكذلك ابن رشد الكبير فإنه اعتنى بالآداب في كتابه البيان التحصيل بالآداب الشرعية في باب مستقل، وابن الحاجب كذلك في مختصره وخليل رحمه الله. يقال إنه ألف كتاب الجامعي، وكان من المفروض أن يلحق بمختصره، ولكنه فصل عنه، وهو الذي اشتهر لدى الناس بالجامع لخليل. وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أنه ليس لخليل وإنما هو لبهرام. والشيخ محمد سالم رحمه الله عليه لما نظم فقه المالكية وأدرج مختصر خليل كاملاً نظم كتاب الجامع في 500 بيت، وقال فيه: وبعد أن ختمته معتمدًا على الذي يذكر أي من نسبته لخليل يقول: اطلعت أن الجامع الكتاب بهرام، فأخفض شوكه العتاب. فهو يقول بلسان واضح ما قال عبد الملك بن صالح. عبد الملك بن صالح، أمه كانت أمه لمروان بن محمد، فلما سقطت الدولة الأموية، انتقلت هذه الأم إلى السفاح، أقصد أخ السفاح إبراهيم، فولد عبد الملك بن صالح. فبعض الناس ينصبه لصالح أخ السفاح، أقصد ليس إبراهيم صالح بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وبعضهم ينصبه لمروان. فأراد بعض بني عمه أن يطعن فيه، فعرض عليه ذلك فقال: والله ما أبالي أي الفحلين غلب علي فلا أبالي هل هو لصالح أو لمروان. فلذلك قال هو. فهو يقول بلسان واضح ما قال عبد الملك بن صالح. وأهل الحديث أشد الناس عناية بهذه الآداب، لأنها مرتبطة بتوقير رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجلاله، وتوقيره وإجلاله مما فرضه الله على المؤمنين. ونحن فاتتنا الصحبة ولقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كنا عنده لكنا أولى بخدمته وتمام توقيره من هرقل الذي قال: لو كنت عنده لغسلته عن قدميه ولتشجبت لقاءه. فلما فاتتنا الصحبة بقي لدينا أمل، وهذا الأمل يسمى الإخوة، فإن للنبي صلى الله عليه وسلم إخوانًا يأتون في هذه الأمة. وعد الله بوجودهم، فالله قال: هو الذي بعث في الأمّيين رسولًا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين. وآخرين منهم لما يلحقوا بهم، وآخرين منهم أي من الأمّيين لما يلحقوا بهم. ولمّا لنفي الماضي المنقطع معناه سيلحقون بهم. وهذا وعد من الله، والله لا يخلف الميعاد. وهؤلاء الإخوان إخوان رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكرهم، فقد ذهب يومًا إلى المقبرة في جنازة، فأخذ عودًا فنكت به في الأرض، فقال: وددت لو رأيت إخواننا. قالوا: ألسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: بل أنتم أصحابي وإخواني قوم آمنوا بي ولم يروني. وهذه المزية لا يستحقها إلا من كان متأدبًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا الأدب باقٍ، فعدم رفع الصوت عليه وتوقيره وإجلاله ومحبةه، ومحبة كل ما اتصل به كمحبة آل بيته وورثته من العلماء وصحابته من الصحابة الكرام، وكل من خدمه أو له به تعلق من وجه، كل ذلك هو من توقيره وإجلاله الذي أمر الله به. فقد قال الله تعالى: أنا أرسلتك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه. وهذا التعزير والتوقير يشمل توقير سنته، كما قال الإمام النووي: من رفع صوته على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم داخل في قول الله تعالى: "لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض، أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون". فلذلك هذا الباب باب من الأبواب الروحية في هذا العلم، وكل علم من العلوم إذا لم تكن فيه روحانية وأدب فإنه يؤدي إلى قسوة قلب، وفخر وخيلاء، وهذا مذموم. فطالب العلم لابد أن يتواضع لله جل جلاله، وأن يحس بحاجته إلى هذا العلم وتوقيره لأهله ورغبته فيه، ولا بد من التنبه إلى ذلك في كل الأوقات. فالله سبحانه وتعالى بعد أن علم رسوله صلى الله عليه وسلم، أمّن عليه بالعلم، فقال: "وعلمك ما لم تكن تعلمه، وكان فضل الله عليك عظيمًا". وهذه ميزة كبرى لمن نفعه الله بالعلم، فإن سليمان بن داوود عليهما السلام قال لأهل اليمن: ما أتاني الله خير مما آتاكم، بل أنتم بهديتكم تفرحون. فلا بد أن يستشعر طالب العلم ومن خصه الله بشيء منه هذه النعمة التي أنعم الله بها عليه، والميزة التي ميزه بها. وحينئذ لابد أن يتواضع لله، وأن يزيد في العبادة، لأنه العلم هو الأصل والعبادة هي الثمرة. فلا خير في شجرة لا ثمر لها، ولا يمكن أن توجد ثمرة بلا شجرة. ولذلك يقول جدي الشيخ محمد علي رحمه الله عليه: العلم من دون العبادة هباء لا يستقر، فحر أن يذهب. والعلم في التمثيل مثل الشجرة، أما العبادة فمثل الثمرة، ففضله من جهة وفضلها من جهة، ثمرة وأصلها. وقد قال سفيان بن عيينة رحمه الله: إن العلم ينادي بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل. وفي الصدر الأول إنما كان الناس يتقدمون في الجهاد في سبيل الله والتضحية والبذل والعطاء والخدمة للناس بقدر ما تعلموا من هذا العلم. فكان القراء هم الشجعان. ولذلك قال سالم من مولاي أبي حذيفة رضي الله عنه يوم اليمامة لما دفعت إليه الراية: قال بئس حامل القرآن أنا إذا فررت اليوم. عندما اشتدت الجراحات في بدنه قال: بئس حامل القرآن أنا إذا فررت اليوم. وتعلم الإنسان لآثارهم يزيده محبة لهم. ولذلك من حكم تعلم شمائل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سياده محبته، فإن الشمائل لا تؤخذ منها الأحكام كما ذكرنا سابقًا في بداية هذا الكتاب، لكن يؤخذ منها الإيمان وزيادة محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالمحبة المشروطة في الإيمان: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين. دوافعها دوافع محبتنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ولكل محبوب خمسة. الدافع الأول الجمال، فكل جميل محبوب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جملة الله وكماله، فكان أجمل الناس، ولا تعرف ذلك إلا إذا قرأت شمائله الشريفة وقرأت وصفه الكريم. ومن قرأها بهذه الروح يكون كأنه ينظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه، وبالأخص إذا كان ذلك بإسناد متصل إليه. وقد ذكرنا قول يحيى بن يحيى التميمي لأبي زرعة الرازي عندما سأله عن حديث قال: عن من هذا؟ قال: يا أبا زرعة، ليس هذا زعزعة عن زوبعة، إنما هو مالك عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فما بينك وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن ترفع الستر فتراه. والبدوي رحمه الله قال في نظمه للأنساب: قال وإن عرفت النسب الخطيرة والسيرة تكن بهم خبيرًا، حتى كانهم بعين النقص في الصك. قد لاحول لعين الحس. إن عرفت النسب الخطيرة أي الشريفة والسيرة، وضممت إليه معرفة السيرة تكن بهم خبيرًا، تكون برسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وأصحابه خبيرًا، حتى كانهم بعين النقص، أي المداد في الصك، أي في الكتاب، قد لاحوا لعين الحس، كأنك تراهم. والسبب الثاني هو حسن الخلق، فكل صاحب خلق حسن محبوب، ولو لم يكن بينك وبينه أي علاقة، ولو لم يكن جميلًا. ورسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقًا، شهد الله له بذلك، فقال: "وإنك لعلى خلق عظيم"، وقال: "بما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك". وقال: "لقد جاءكم رسول من أنفسكم، عزيز عليه ما عندتم، حريص عليكم".











