Speaker A
صرح الأكاديمية الإرشاد، أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يرزقنا نور هذا اليوم وهدايته وبركته، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، إنه جواد كريم. أما بعد، أحبتي الكرام، كنا قد وصلنا إلى قول الله عز وجل: "إن للمتقين مفازا". وهذه آية جاءت في ختام سورة النبأ، وتكلمنا أن أول السورة كانت استفهامًا عن ما يتساءل عنه الكفار، عما يتساءلون، ثم ردت أن هذا الذي يتساءلون عنه إنما هو أمر عظيم، وبينت أدلة إثبات البعث والوجود، وإثبات الله عز وجل وأحقيته بالعبادة بالأدلة الكونية. فقالت عن النبأ العظيم الذي هو القرآن الكريم أو البعث والنشور، ثم جاءت الآيات الكونية التي يرونها بأعينهم من بناء الأرض وبناء السماء وتذليل الأرض، وهذه السحب التي تنزل عليهم بالرزق، وهذه الجنات التي يرونها، وهذا الحب الذي يأكلونه. ثم جاء بعد ذلك إثبات اليوم الآخر، أن يوم الفصل كان ميقاتًا. ثم بدأ الحديث بعد ذلك عن أهل الشمال وهم الكفار، والحديث عنهم من عذابهم كما قال الله عز وجل: "إن جهنم كانت مرصادًا للطاغين، ما أبثين فيها أحقابًا، لا يذوقون فيها بردًا ولا شرابًا إلا حميمًا وغساقًا جزاء وفاقًا". أي وفاقًا لأعمالهم، هذا الجزاء وهذا العذاب وهذا السعير الذي يلقونه دائمًا وأبدًا. ولأن القرآن الكريم مثاني، ومعنى قوله مثاني أي أنه إذا جاء بذكر النار جاء بذكر الجنة، وإذا جاء بذكر نعيم المؤمنين جاء بذكر عذاب المكذبين، إذا جاء ذكر المؤمنين جاء ذكر الكفار وهكذا دائمًا تثنى الآيات فيذكر هذا وذاك. فكان مناسبًا في الحديث أن يكون هناك ذكر للصنف الآخر، لأن يوم القيامة ينقسم الناس إلى قسمين: أصحاب الجنة وأصحاب السعير. فهذا ذكر أصحاب السعير الذين في جهنم، فما خبر الطرف الآخر، وما جزاؤهم، وكيف نعيمهم، وكيف يكتب الله عز وجل لهم؟ فذكر الله عز وجل خبرهم بالتأكيد أيضًا. فبدأ بأن المؤكدة أن حرف توكيد ونصب، ثم أتى بهذه الجملة: "إن للمتقين مفازا"، واللام التي أضيفت للمتقين للاختصاص، أي اختصت هذه الجنة للمتقين. ومفاز من الفوز والنجاة، فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز، هؤلاء هم الفائزون. من هم المتقون؟ وهنا يأتي الحديث عن التقوى، فما هي التقوى؟ كلمة كثيرًا ما نسمعها ونقرأها، وكلمة كثيرًا ما نسمع الوعاظ يقولون: اتقِ الله، اتقوا الله. فما هي التقوى؟ هي أمر بسيط للغاية، أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية. تقى، يتقي، وقى، يتقي من الوقاية، والوقاية هي أن تجعل بينك وبين الشيء المخوف حاجزًا، فالوقاية عن أسبابه. فلا تعرض نفسك للبرد، ولا تعرض نفسك للأذى، ولا تعرض نفسك للألم، فتأكل ما لا يمكن أن يؤدي بك إلى مرض، أو تلبس ما يؤدي بك إلى وجع. ولهذا تجدون العبارة الشهيرة: الوقاية خير من العلاج، وعبارة أخرى منتشرة: درهم وقاية خير من قنطار علاج. والمقصود بذلك أنك إن تحمي نفسك من المرض ومن أسبابه فتدفع عن نفسك المرض خير لك من أن تدفع مبالغ كثيرة في علاج هذا المرض. إذا فالوقاية فكانت تقوى. والتقوى عرفت بتعاريف كثيرة، أسهلها أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية أو حاجزًا يمنعك من عذاب الله. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اتقوا النار ولو بشق تمرة، يعني أن تتصدق بنصف تمرة تتقي بذلك النار. فهذا من أعمال البر والهدى والتقى. وعرفها طلق ابن حبيب تعريفًا جميلًا جامعًا مانعًا، فقال: التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخشى عذاب الله. أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، إذا التقوى عمل وترك. فعملك للطاعات تعملها لله، وتركك للمعاصي تتركها لله. فتعمل بطاعة الله وتترك معصية الله، لكن هذا يكون كله على نور من الله. على نور من الله يعني لم تعمل الطاعة لأن الناس كلهم يعملون. لم تصم رمضان لأن الناس كلها تصوم، لم تصلي لأن الأهل كلهم يصلون ونحن أسرة محافظة، لم تتحجبي لأن الأهل جميعًا يتحجبون ونحن أسرة محافظة، لا، ولكن على نور من الله، على نور من الله يعني أن الله أمرك بهذا الأمر، وأن الله أمرك بهذه الطاعات، فانت تعملين. طيب، ما هدفك ولماذا تفعلين؟ ترجو ثواب الله، هذا الرجاء. ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله، فانت تترك الغيبة ليس لأنك لا تحب أن تتكلم على الناس، لا، لأنها غيبة وحرام، وتترك السماع الموسيقى ليس لأن الصوت جنب الناس صعب أن يستمع، لا، لأنها حرام، وتترك النظر الحرام لأنها حرام، وليس لأنك لم تستطع فتح المق، وهكذا في كل حال وفي كل زمان يكون فعلك للطاعة أو تركك للمعصية على نور من الله. ومن فعل ذلك على نور من الله فإنه يحصل على الأجر. فكما تعلمون في الحديث: من نوى حسنة فعملها كتبت له عشر حسنات، ومن نوى حسنة فلم يعملها كتبت له حسنة كاملة، ومن نوى سيئة فعملها كتبت عليه سيئة، ومن نوى سيئة فلم يفعلها ورد في رواية: فإن تركها من جراءة، يعني لأجل الله كتبت له حسنة. وتركك للمعصية بعد أن نويت عليها لأن الله أمرك بها تعتبر حسنة. وفي الحديث الثلاثة الذين انسدت عليهم الحجر في الغار، كانوا في الغار، انسدت عليهم الحجر، فاحم لما قالوا: ندعو الله بأحب الأعمال إلينا. أحدهم كانت طاعته، وأحب الأعمال إليه الذي دعا الله عز وجل به أنه ترك المعصية وقت القدرة عليها، حينما راود ابنه عمه عن نفسه، فلما اختلى بها قالت له: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فتركها لله، فتركه هذا من التقوى، فتحت عنه الصخرة إلى آخر الحديث. فتركه هذا من التقوى، وهذه الجنة يستحقها أهل التقى. وهذه التقوى يا مشايخ، إخواني الكرام، ليست كلمة عابرة تقال، وإنما هي أفعال، وإذا فعلناها وطبقنا كانت لنا ثمار عظيمة كما قال الله عز وجل: "واتقوا الله ويعلمكم الله". وقال الله عز وجل: "ومن يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب". ومن يتوكل على الله فهو حسبه. وقال تعالى: "ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا". وقال تعالى: "اتقوا ومن اتقوا الله يجعل لكم فرقانا". وقال تعالى أيضًا عن النار: "وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتمًا مقضيًا". ثم قال: "ثم ننجي الذين اتقوا ونظروا الظالمين فيها جثيا". ف أهل التقوى دائمًا هم أهل النجاة، وأهل التقوى هم أهل الفلاح. ولهذا ورد في أول سورة البقرة أن من أعظم صفات المؤمنين أنهم متقون. قال تعالى: "هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب". هدى للمتقين في القرآن، هدى للمتقين. فأسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يجعلنا وإياكم مع المتقين. سئل عمر بن الخطاب عن التقوى فقال: أرايت لو أنك بأرض فيها شوك وأنت حافٍ، ماذا تصنع؟ قال: أشمر عن ساعدي وأعرف أين أضع رجلي. قال: فذلك التقوى. هذا مثال للتقوى عملي، أنك بأرض شوك وتخاف أن تأخذك شوكة أو إبرة من إبر الشوك، فتنظر أين موضع رجلك. فلا تعمل عملًا إلا وأنت تعرف أين هذا العمل سيكون. للذنوب صغيرها وكبيرها، ذاك التقوى. وأعمل كماش فوق أرض الشوك، يحذر ما يرى. لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى نقول هذا، وكلنا معاصي، كلنا ذنوب، ولكن هو من باب التذكير، وإلا فليس المتحدث بأعلم من السامع، ولا بأعلم، ولا باتقى، ولكن نريد أن نكون مع المتقين فننال هذا الجزاء وهذا الفوز: "إن للمتقين مفازا". ورد أيضًا في تعريف التقوى ما ورد عن الإمام علي رضي الله تعالى عنه: الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والقناعة باليسير، والاستعداد ليوم الرحيل. وهذا ورد عن الإمام علي رضي الله تعالى عنه، وهو تعريف طويل، إلا أن تعريف طلق ابن حبيب أكثر دقة وعبارة أوضح أسلوبًا. قال: التقوى العمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخشى عقاب الله. ورد أيضًا في تعريفها أن يراك الله، أن يجدك الله حيث يريد أن يراك، وأن يفقدك حيث يريد أن يفقدك، فلا يراك في مكان المعاصي واللهو، ويراك في أماكن الطاعة والعبادة والذكر. فهذا كله من معرفات التقوى. وباختصار، التقوى أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية. هنا يسأل يقول: هل الاختصاص مفيد في الإعراب؟ لا، هو مفيد في المعنى، مفيد في المعنى، ليس الإعراب. في الإعراب يفيد اللام لام حرف جر، لكن في المعنى من يختص بهذا الفوز هم المتقون. ولهذا في ذكر البلاغة هذا معرفة الاختصاص، ومعرفة فائدة العبارات، وكذا هذا يكون في علم من علوم البلاغة اسمه علم المعاني. البلاغة ثلاث أنواع: علم المعاني، وعلم البيان، وعلم البديع. فالبديل محسنات لفظية، والبيان بيان للصور والتشبيه والاستعارات والمجازات، ولكن علم المعاني هو أساس تركيب الكلمات. لماذا جاءت مفردة؟ ولماذا جاءت معربة؟ لماذا جاءت مبنية؟ ولماذا جاءت بهذا اللفظ وبهذا الأسلوب وهكذا؟ ولماذا جاء الوصل والفصل؟ فمن تعلم علم المعاني في البلاغة كان أكثر تذوقًا للقرآن الكريم، كان أكثر تذوقًا للقرآن الكريم. "إن للمتقين مفازا" حدائق وأعنابًا. بدأ بذكر هذا الفوز وهذا النعيم، فبدأ بذكر الحدائق وهي البساتين العظيمة، البساتين العظيمة التي تشرح النفوس، وأعنابًا. والأعناب كما ترون أو كما تعرفون أنها ثمرة تتسلق على الأخشاب ثم تتدلى فتكون منظرها بديعًا وشكلها جميلًا. ومن دخل مزارع الأعناب ارتاحت عينه في النظر إليها، وارتاح سمعه في سماع صوت الرياح وهي تخف عليها، وذاق منها أشهد طعمًا، وشم منها أزكى الروائح، هذه الأعناب. ولهذا اختصت في الذكر من الفواكه كلها، وهذا من باب ذكر الخاص قبل العام، فإن من الحدائق ما يكون حدائق للاعب، ولكن ذكرت لجمالها واهتمامها، وذكرها وعنَب الجنة أعظم وأجمل من عنب الدنيا، فإنه ليس بين ثمار الدنيا وثمار الآخرة إلا الأسماء فقط، تتشابه، وأتوا به متشابهًا، وإلا فطعمها ومذاقها وتدليها لأهلها وتدانيها قطوفها دانية، كل هذا أعظم وأجمل وأسقى. حدائق وهي البساتين العظيمة وأعنابًا وكواعب أترابًا والكاع من النساء. هن النساء التي لم يتدلى أثدائهن. والكعب هو الشيء البارز، الشيء البارز. يقال: كعب الرجل هو العظم الناتئ في أطراف الرجل لأنه بارز، والكعب من الأرض هو الشيء الناتئ من الأرض. وكذلك أكرمكم الله النعال الكعب التي تلبسها بعض النساء، الكعب تكون بارزة وعالية، وكذلك كواعب النساء أي أثدائهن.











