Speaker A
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. صلى الله وسلم على نبينا محمد سيد الأولين والآخرين، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستنى بسنته إلى يوم الدين. قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى: النوع الرابع عشر المنكر، وهو كالشاذ، إن خالف راويه الثقات فمنكر مردود، وكذا إن لم يكن عدل ضابطاً، وإن لم يخالف فمنكر مردود. يقول إن المنكر مثل الشاذ إلا أن المنفرد به غير ثقة، هذا الفرق بينهما. فإذا له ثلاثة أركان من أركان الشاذ وهي الانفراد والمخالفة، وأن يكون المخالف له أكثر منه ثقة. لكن الركن الرابع وهو كون المنفرد ثقة يختل في المنكر. ومع ذلك فقد عمم هو هنا فجعل الشاذة داخلاً في المنكر أيضاً، إن خالف راويه الثقات أي من هو أوثق منه أو أكثر، فمنكر مردود، وكذا إن لم يكن عدلاً. معناه جعل المنكر أعم من الشاذ. فمن أقسامه عنده الشاذ ويزيد عليه المنكر الذي هو إذا انفرد غير الثقة في مقابل من هو أوثق من هو أو أكثر وخالفهم، وإن لم يخالف فيرى أن غير الثقة إذا انفرد ولو لم يخالف الثقات فحديثه منكر أيضاً. فإذا عندنا للمنكر سمتان هنا: القسم الأول إذا انفرد غير الثقة وخالف الثقات فثبت ما نفوه أو نفى ما أثبتوه أو نحو ذلك. القسم الثاني إذا انفرد غير الثقة ولم يخالف الثقات، لكن انفرد هو بزيادة لم يرويها من سواه، فهذه الزيادة التي انفرد بها غير الثقة منكرته. وأما إن كان الذي تفرد به عدل، إذا كان المنفرد المخالف للثقات عدلاً ضابطاً حافظاً فإنه يقبل شرعاً إذا لم يخالف، فإذا خالف كان شاذاً، وإذا لم يخالف كان زيادة ثقته، ولا يقال له منكر حينئذ. وإن قيل له ذلك، أي لو وجد في كلام بعض الأئمة إطلاق المنكر على من فرد به ثقة، فذلك من باب الدلالة اللغوية لا من باب الدلالة الاصطلاحية. فلهذا قال وإن قيل له ذلك لغة، إذا وجدت إطلاقاً لبعض الأئمة على زيادة ثقة أنها منكرة، فمقصوده بذلك أنه قد انفرد بهذا الثقة وقد فهم ذلك الإمام مخالفة. وهذا الإطلاق ليس هو الإطلاق الاصطلاحي، إنما هو إطلاقة لغوي. وبعض أهل الاصطلاح يعمم المنكر على ما هو أكثر من هذا فيجعله في مقابل المعروف، فما رواه الثقات أو رواه الأكثر يسماه معروفاً، ومقابله منكر. وكذلك من فرد به غير الثقة يسماه منكراً أيضاً. قال النوع الخامس عشر في الاعتبارات والمتابعات والشواهد. قد سبق أن هذا التبويب لا يمكن أن نطلق عليه جميعاً أن كل باب منه هو نوع من أنواع الحديث، ولذلك فالاعتبارات والمتابعات والشواهد فيها أنواع من أنواع الحديث، ليست مثل ما مضى من التبويب. فكل الأبواب الماضية يكون المبوب له نوعاً من أنواع الحديث، قسماً من أقسامه. والآن بدأ التبويب لمصطلحات قد يكون بعضها متقابلاً وقد يكون بعضها منفرداً. والاعتبار في اللغة تكلف العبور، فهو المصدر افتعل من العبور أي التجاوز، ومنه قول الله تعالى: فاعتبروا يا أولي الأبصار. وهو في الاصطلاح تجاوز الرواية المشهورة للبحث عن ما يقويها، فنتجاوز الرواية المشهورة لحديث ما للبحث عن ما يقويها، كما إذا وقعت على حديث عند الترمذي، فإنك تبحث له عن إسناد يقويه، وذلك يسمى اعتباراً. والاعتبار يؤدي إلى أحد أمرين: إما للمتابعة، وإما للشاهد، أو أن يؤدي إلى متابعة ولا إلى شاهد. فإذا أدى إلى المتابعة معناه وجد من يتابع بعض رواته عليه، وكان من حديث نفس الصحابي، فهذا يسمى بالمتابعات. وإن وجد له شاهد من حديث صحابي آخر، فذلك يسمى بالشواهد. والمتابعات مصدر جمع المتابعة، والمتابعة مصدر تابع، يتابعه إذا اقتفاه واتبع أثره. والشواهد جمع شاهد، وهو ما يقوي الشيء ويشهد له. قال مثاله: أن يروي حماد بن سلمة عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثاً. فحماد بن سلمة قد ذكرنا أنه على شرط مسلم وليس على شرط البخاري، وبقية الإسناد كالشمس في رابعة النهار: أيوب بن أبي تميمة السختياني، وعن محمد بن سيرين عن أبي هريرة، هذا لا إشكال فيه. فإذا أردت أن تعتبر لهذا الحديث أن تبحث في الاعتبار بآرئ، فإن رواه غير حماد عن أيوب، أو غير أيوب عن محمد، أو غير محمد عن أبي هريرة، فهذا كله في المتابعات. أو غير أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا هو الشاهد. لكن هو جعل ورود الشاهد من غير حديث الصحابي داخلاً في المتابعات أيضاً، وهذا غير معروف بالاصطلاح، فإن أهل الحديث يفصلون بين حديثي الصحابيين، ولو كان لفظهما متحداً، فلا يعتبران حديثاً واحداً. فالتفريق بين الحديثين إنما هو باعتبار راويهما من الصحابة. فإذا جاء اللفظ متحداً ورواه أكثر من الصحابة كان شاهداً ولم يكن متابعاً. فإن روي معناه من طريق أخرى عن صحابي آخر سمي شاهداً لمعناه، وإن لم يرو بمعناه أيضاً حديث آخر فهو فرد من الأفراد، أي لا متابع له. قد يكون له شاهد من دلالة القرآن أو من عموم السنة، ولكن يبقى مع ذلك يسمى فرداً. والفرد من انفرد به واحد سواء كان ثقة أو غير ثقة. فهو أعم الشاذ والمنكر ومن الغريب أيضاً، فيدخل فيه أنواع. فإذا انفرد ثقة كان ذلك مما يسمى من زيادات الثقات، وإذا انفرد به غير الثقة وخالف غيره كان ذلك منكراً، وإذا انفرد به غير الثقة ولو لم يخالف فهو منكر أيضاً، وإذا انفرد به الثقة وخالف منه أوثق منه أو أكثر كان شاذاً. ويغتفر في باب الشواهد والمتابعات من الرواية عن الضعيف القريب. الضعف ما لا يغتفر في الأصول. يقول إن الحديث إذا جاء أصله من وجه واردنا أن نقويه بالبحث له عن الشواهد أو المتابعات. فالشواهد والمتابعات لا يحصل فيها من اشتراط القوة ما يحصل في الأصل. فلذلك يمكن أن يكون لدينا حديث ضعيف ونجد له متابعاً ضعيفاً، لكن ليس مما يلغى، أي ليس شديد الضعف، فيقويه فيصل إلى درجة الحسن لغيره. قد سبق أن الحسن ينقسم إلى قسمين: إلى حسن لذاته وحسن لغيره، كما أن الصحيح أيضاً ينقسم إلى صحيح لذاته وصحيح لغيره. ولهذا فإن شيخي الصحيحين رحمهما الله عليهما كانا يوردان في المتابعات ما لا يردان استشهاداً. فالبخاري يورد رواية الحسن عن أبي هريرة، لكن لا يردها إلا مقرونة بمحمد بن السيرين، لا يريدها إلا مقرونة بغيره من أصحاب أبي هريرة. وكذلك عن أنس فإنه لا يريد محمد بن سيرين إلا مقروناً، لا يريد أقصد الحسن البصري إلا مقروناً بابن سيرين عن الحسن. وكذلك مسلم يأتي في متابعاته بما لا يأتي به استشهاداً، أي في الأصل. ومسلم من عادته أن يأتي بعد جلب كل حديث في باب بما تيسر لديه من متابعاته. وتلك المتابعات التي يأتي بها تارة تكون الفائدة فيها في الإسناد، وتارة تكون في المتن، فقد تكون الفائدة في المتن بزيادة لفظ فيه حكم أو ينفع في الاستنباط، وتارة تكون تلك الإفادة في الإسناد، لأنه يكون الإسناد الأول لديه بالعنعنة، والإسناد الثاني صرح فيه بالسماع أو التحديث، وهكذا كما يقع في الصحيحين وغيرهما مثل ذلك. أي في الشواهد والمتابعات يقع فيهما ما ليس على شرطهما، لكن لابد أن يكون الأصل المستشهد له على شرطهما. ولهذا يقول الدارقطني في بعض الضعفاء يصلح للاعتبار أو لا يصلح أن يعتبر به، يصلح للاعتبار معناه أنه ليس شديد الضعف، فلذلك يمكن أن يعتبر به. فحديثه يمكن أن يقوى به حديث ضعيف شديد الضعف. معناها شديد الضعف، معناها الشخص قيل في حديثه إنه منكر، وكذبه بعضهم، كذبه بعض المتشددين كالنسائي مثلاً أو نحو ذلك، فهذا لا يعتبر بحديثه أصلاً. لكن إذا لم يكذب لم يقل أحد إنه كذاب، لكن ذكر بعضهم إنه ضعيف، أو ذكر بعضهم أن فيه نظرًا، أو ذكر بعضهم أن حفظه فيه شيء أو نحو ذلك. له شواهد تقويه، له شواهد تقويه معناه يشهد بمعناه أحاديث أخرى، وإن لم تشترك معه في جميع الألفاظ. فقد نصح أصل الحديث ولا نصحح أطرافه، لأنه إذا جاء الحديث مثلاً من إسناد أو من أسانده وكانت كلها ضعيفة واختلفت ألفاظه، فما اتفق عليه جميع الألفاظ هو أصل الحديث، فيمكن أن نصححه، وتبقى الأطراف التي انفرد بها كل راوي لا تقوى حينئذ. وذلك مثل حديث الافتراق: افترقت اليهود إلى 71 فرقة، وافترقت النصارى إلى 72 فرقة، وستفترق أمتي إلى 73 فرقة، كلها في النار إلا واحدة، وفي لفظ: ما أنا عليه وأصحابي. فاصل. هذا الحديث صحح، لأن الحديث في أصله جميع رواياته لا تخلو من ضعف، سواء منها ما كان من حديث معاوية بن أبي سفيان، أو ما كان من حديث معاذ بن جبل، أو ما كان من حديث غيرهما. فقد جاء عن عدد من الصحابة، فلا تخلو منه رواية من ضعف، ولكن صحح أصل الحديث بماذا؟ بسبب الشواهد والمتابعات. فقلنا أصل الحديث صحيح، لكن تبقى الأطراف، وهي كلها في النار إلا واحدة، أو كلها في الجنة إلا واحدة، أو من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي. فهذه الزيادات لا تصح لأنها ليس لها متابع يعتبر به يكفيه في التصحيح، وإن كان بعضها قد وجد له بعض المتابعات، لكن لا تصل إلى درجة التصحيح. فيصحح أصل الحديث. فيقال حديث الافتراق صحيح، ولكن أطرافه لا تصل إلى هذا المستوى. شيخ هذه الحاء، اللي الحاء ستاتينا، وهي تحويل تحويل الإسناد، وهي القار لما يصل إليه ماذا؟ القارئ عندما يصل إلى حاء عند البخاري مثلاً ينطقها كما هي، فيقول حاء لأن البخاري رسمها في الصحيح في متابعاته ولم يبين لنا قصده. فاختلط الناس فيه على أوجه. فقيل معناها تحويل الإسناد، فهي من التحويل. وقيل معناها الحديث الماضي لأنه سيختصره ويأتي بالحديث الجديد. وقيل معناها حائل، حائل بين الإسنادين. لكن المهم أنها تقرأ كما هي، فيقال حاء. وفي صحيح مسلم نعم هي أيضاً كذلك في صحيح مسلم، لكنها في صحيح البخاري أكثر. قال النوع السادس عشر في الأفراد. وهنا نصل إلى أنواع الحديث باعتبار عدد الناقلين. وقد سبق أنه يقسم الحديث بتقسيمين: تقسيم الحديث باعتبار عدد الناقلين في كل طبقة، وتقسيم الحديث باعتبار عدد الطبقات. وتقسيمه باعتبار الطبقات سيأتي وهو تقسيمه إلى عال ونازل، وتقسيمه باعتبار عدد الناقلين في كل طبقة ينقسم به إلى متواتر. وقد ذكرنا أن أول من أدرج هذه اللفظة في مصطلح الحديث هو خطيب البغدادي، فهي من مصطلح أهل الأصول في الأصل وغي...











