Speaker A
وإن تطيعوه تهتدوا. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله. الحمد لله الذي لو أن السماوات والأرضين اجتمعنا على إحصاء ثنائه لعجزت، ولو أن بحار الدنيا مدت مدادًا لكتابه محامده لنفدت. سبحانه تجلى لعباده بجمال أسمائه فأنور بصائرهم وتعرف إليهم بأنوار جلاله فأسر قلوبهم. والصلاة والسلام على من أشرق به الوجود وانقشعت به الظلمات، المبعوث رحمة وهداية وأدل الخلق على الخالق سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه نجوم الهدى ومصابيح الدجى. أما بعد، فإن المراقف أمام هذه الوجوه الكريمة موقف الخجل المطرق والحياء الذي يعقد اللسان قبل أن يطلقه، إذ يرى أقوامًا قد تركوا مشاغل دنياهم وطووا صحائف أعمالهم واقتطعوا من أعمارهم هذه الساعة النفيسة ليجلسوا مجلسًا يذكر فيه اسم الله. وإني لأعلم علم اليقين، وأشهد الله على ما في قلبي، أنكم ما جئتم لحسن بيان عندي ولا لفضل علم اختص به دونكم، وما أنا إلا كساعي بريد يحمل رسالة ليست له ويوصلها بأمانة لمن كتبت إليهم. وما هذا الحضور الكريم وهذا النشر الذي غمرتم به هذا الدرس إلا لشيء واحد لا شريك له، وهو أن القلوب مجبولة على محبة خالقها، ضمًا إلى سماع أسمائه سبحانه وتعالى تهفو إلى من يذكرها بربها. فأنتم إنما أتيتم لله واجتمعتم لله وحضرتم لتسمعوا عن الله لا عن المتحدث إليكم. فطوبى لمن ساقته محبة الله إلى هذا المجلس. ويا خجلة من يتحدث إليكم وهو يعلم من نفسه ما ستره الله عنكم. فجزاكم الله عن سعيكم هذا خير ما يجزى به السائرين إليه، وجعل خطواتكم هذه في ميزان من طلب الهدى فاهتدى. ثم إني أعيد إسماعكم أن تظنوا هذه الكلمات التي ألقيها بين أيديكم اليوم، وإن كان ظاهرها سلس القياد قريب المأخذ داني القطاف، أعيدكم أن تظنوا أنها وليدة ارتجال في القول أو إرسال للكلام على عواهنه، بل هي والله يعلم نتاج بحث علمي دقيق وتنقيب في متون الكتب وحواشيها، صيغت أول أمرها بعين الباحث العلمي المدقق الذي لا يقبل حرفًا دونه، ثم أعيدت صياغتها أدبيًا لتلائم رقة المقام وحاجة القلوب. فما كان من إجلال الله وتعظيم عظيم أسمائه أن أنزل الحديث عنه سبحانه منازل الارتجال أو أعرضه لهفوات الخاطر وزلات اللسان. فالحديث عن الله سبحانه وتعالى أعظم من أن يساق إلا على جادة التحقيق والتثبت، ثم يكسى بعد ذلك حلل البيان. فهي مأمونة إن شاء الله، فافتحوا لها قلوبكم. وبعد هذا، فإن المرء لا يطيل النظر في وجوه الناس اليوم في هذا العصر الذي تكدست فيه الآلات وتزاحمت فيه الأسباب، فلا ترى إلا أرواحًا ضمأى في صحراء المادة وقلوبًا تلهث وراء سراب لا يروي وعيونًا حائرة تبحث في زحام الأرض عن شيء من سماء الطمأنينة. لقد بنى الإنسان مدنًا من الحديد والأسمنت، ولكنه نسي أن يبني في صدره محرابًا يأوي إليه إذا عصفت به رياح الأيام. تأملوا معي تلك الأم التي تتقلب على جمر القلق تبيت ليلها تحرس أبنائها بنظراتها من فتن تموج كموج البحر، وتلك الفتاة التي تجلس في غرفتها وحيدة تسمع دقات الساعة وكأنها مطارق تضرب قلبها خوفًا من قطار عمر يمضي، وذلك الشاب الذي يحمل أوراقه وكتبه وقد أثقلت هموم الغد كاهله حتى كاد ينوء بها، وذلك الرجل الذي يخرج في طلب رزقه وعينه معلقة بخيط رفيع يخشى أن ينقطع. كل هؤلاء وكلنا معهم إنما نحن أيتام في مائدة اللئام ما لم نعرف الركن الشديد الذي نوى إليه والباب المفتوح الذي لا يغلق. وهنا يبرز السؤال الذي يهز الوجدان هزًا: كيف نأنس بمن لا نعرفه؟ وكيف نهي حبًا بمن نجهل كماله وجماله؟ وكيف نسلم قياد أرواحنا لتدبير من لا ندرك سعة علمه وعظيم حكمته؟ إن القلب البشري خلق ليملأ بمعرفة الله، فإذا خلى منها صار كالبيت الخرب تعوي فيه رياح الوحشة والضياع. إن المعرفة بأسماء الله الحسنى ليست سطورًا تقرأ ولا ألفاظًا تردد على المسبحة وكفى، بل هي الفقه الأكبر، وهي صياغة إلهية للإنسان من الداخل. هي أن تقرأ اسم الله الرحيم فتتلاشى أحزانك، وتقرا اسمه الجبار فتنجبر كسورك. وقد صاغ الإمام ابن القيم رحمه الله هذه الحقيقة صياغة دقيقة جميلة، وهي صياغة من ذاق فعرف فقال: "لا سعادة للعباد ولا صلاح لهم ولا نعيم إلا بأن يعرفوا ربهم ويكون هو وحده غاية مطلوبهم، والتعرف إليه قرة عيونهم، ومتى فقدوا ذلك كانوا أسوأ حالًا من الأنعام." انتهى كلامه رحمه الله. ويكفيك دليلًا على عظمة معرفة الله أن القرآن الكريم، الذي هو كلام الله المعجز، جعل أعظم سور على الإطلاق سورة الفاتحة، وما سر عظمتها إلا أنها تدور في محورها كله حول الله ثناء عليه وتعريفًا بأسمائه وصفاته وتذللًا بين يديه. وجعل أعظم آية في كتابه آية الكرسي، وما سر عظمتها إلا أنها تصف الله بأعظم صفات الكمال والجلال من الحياة المطلقة والقيومية الشاملة والسعة التي وسع كرسيه السماوات والأرض. وجعل أعظم سورة أجرًا سورة الإخلاص، وما سر هذا الأجر العظيم العظيم العظيم إلا أنها حين كانت تعدل ثلث القرآن لأنها خالصة للحديث عن الله وحده تصفه بالأحدية المطلقة والصمدية التي يفتقر إليها كل شيء. فكان الله سبحانه يعلمنا بهذا الترتيب الإلهي البديع أن الحديث عنه هو أعظم الحديث، وأن معرفته هي أشرف المعارف، وأن الاشتغال بأسمائه وصفاته هو أجل ما يشغل به العقل والقلب. ومن هنا كان لزامًا علينا أن نقف طويلًا أمام هذا السؤال العظيم: لماذا نستهدي بأسماء الله الحسنى؟ لنجيب عنه خلال هذه الدروس بإذن الله سبحانه وتعالى من خلال ثلاثة مقاصد كبرى، كل مقصد ستخرج منه وتنبت ثمرات يانعة تلامس واقعنا وتنساب في أرواحنا انسياب الماء الزلال في العود الضمان. المقصد الأول إقامة علاقة عميقة مع الله سبحانه وتعالى. هذا المقصد الأول من مقاصد الدرس: لماذا نستهدي بأسماء الله سبحانه وتعالى؟ والمقصد الثاني إقامة علاقة أخلاقية مع الناس، والمقصد الثالث إقامة علاقة حقيقية مع النفس. كل اسم من أسماء الله الحسنى، كل زمرة من أسمائه سنتناولها من طريق هذه الثلاث مقاصد. سنتكلم عن هذا الاسم كيف يحقق علاقة عميقة مع الله، وكيف يحقق علاقة أخلاقية مع الناس، وكيف يحقق علاقة حقيقية مع النفس. كل اسم من أسماء الله سنتناول أوله من هذه الثلاث مقاصد. وستكون طريقة الدروس بإذن الله سبحانه وتعالى شبه موحدة حتى نسير على منهاج واضح ولا يكون هناك مجال لأي ارتجال أو تفاوت في الدروس. أما مقصدنا الأول وهو إقامة علاقة عميقة مع الله سبحانه وتعالى، فلننظر إلى الغاية التي من أجلها خلقت الأرض ورفعت السماء، وهي أن الله سبحانه وتعالى خلقنا لعبادته. وما كانت العبادة يومًا حركات جوفاء خالية من أي روح. فالعلم بأسماء الله سبحانه وتعالى شمس البصائر وشرف العلم إنما يستمد من شرف معلومه، ولا معلوم في الوجود أشرف ولا أعظم من الله سبحانه وتعالى جل جلاله. الثمرة الأولى في إقامة علاقة عميقة مع الله سبحانه وتعالى، وهي إجابة عن سؤال: لماذا نستهدي بأسماء الله الحسنى؟ الثمرة الأولى التي ستتحقق في إقامتنا لعلاقة عميقة مع الله سبحانه وتعالى عن طريق الأسماء والصفات، الثمرة الأولى هي اليقين والتوكل عند نزول الخطوب. ألسنا نرى ما يمج به العالم من زلازل الحروب وعواصف الأزمات وطوارئ الأمراض التي تخطف الأرواح بغتة؟ انظروا إلى تلك الأم التي تسمع الأخبار فترتعد فرائصها خوفًا على فلذات أكبادها، أو ذلك الموظف الذي يقف على شفا تسريح من عمله في أي لحظة. هؤلاء وكل من أحاطت به الخطوب وأطبقت عليه الكروب لا يجدون عاصمًا من أمر الله إلا حين نستهدي جميعًا بسم الله الحفيظ والوكيل والقوي والمتين. ففي تلك اللحظة التي تتجلى فيها حقيقة أن نواصي الخلق بيد الله سبحانه وتعالى وفي قبضته، وأن مسبب الأسباب قادر على أن يسلب الأشياء بكلمة كن ويسلبها طبائعها بكلمة كن، يتنزل على القلب برد اليقين حينها، ويطرا على البال وعلى الروح وعلى الخاطر سكون لا تزعزعه عواصف الأرض. الثمرة الثانية في إقامة علاقة عميقة مع الله سبحانه وتعالى عن طريق الأسماء والصفات، محبة الله سبحانه وتعالى والشوق للقائه. لنتأمل حال ذلك الشاب الذي تستهويه مباهج الدنيا وتطوح به في أودية الغفلة، أو تلك الفتاة التي تتسول الحب في سراب العلاقات الزائفة فتخرج منها ظمأى مكسورة. وتخيل كيف ينقلب حالهم حين تشرق في قلوبهم أنوار أسماء الجمال. فحين يستهدي العبد بسم الله الودود وبسم الله الرحيم وبسم الله اللطيف وبسم الله الكريم يفيض قلبه بمحبة علوية تطيش معها كل محبة أرضية. إذ كيف لا يهيم القلب حبًا بمن يتودد إليه سبحانه يتودد إليه بالنعم وهو الغني عنه؟ وكيف لا يشتاق للقاء من سبقت رحمته غضبه ومن لطف به في الخفاء والعلن؟ الثمرة الثالثة الخشية والمراقبة في الخلوات. راقب الطالب الذي تراه في قاعة الامتحان حين تغفل عنه عين المراقب البشري، أو الشاب في عتمة الليل في غرفته منفردًا أمام شاشته حيث لا يراه أحد. ما الذي يعصم زلته ويمسك بزمام نفسه؟ إنه الاستهداء بأسماء الإحاطة المطلقة. فحين يستحضر العبد أن ربه هو العليم، وأن ربه هو الخبير، وأن ربه هو الرقيب، وأن ربه هو الشهيد، وأن ربه هو البصير، ويوقن أن الله يرى دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء، وأنه سبحانه مطلع على خفاء الصدور ووساوس النفوس، تنبت في قلبه شجرة الخشية وتثمر مراقبة لا تنفك عنه في خلوة ولا جَلْوة. الثمرة الرابعة الرضا والتسليم لأقدار الله. كم تعتصر الغصة قلب الفتاة التي تأخر بها قطار الزواج حين ترى قريناتها وقد مضى بهم الحياة، وكم يتلوع من ابتلي بمرض عضال استعصى على أطباء الأرض. لكن هذا الأنين المكتوم يتبدد حين يتعرف العبد على اسم الله الحكيم واسم الله الخبير واسم الله الرحيم. فالمؤمن الذي يستضيء بهذه الأسماء يعلم علم اليقين أن ربه لا يقضي قضاء إلا لحكمة بالغة قد تقصر عنها العقول، وأن منعه في حقيقته عين العطاء، وابتلاءه هو سلم الرفعة. المقصد الثاني بعد أن تكلمنا في المقصد الأول عن كيف أن أسماء الله الحسنى تصنع علاقة عميقة مع الله سبحانه وتعالى، سننتقل إلى المقصد الثاني.